باب طلب الولد

أي : هذا باب في بيان طلب الرجل الولد بالاستكثار من جماع المرأة على قصد الاستيلاد لا الاقتصار على مجرد اللذة ، وطلب الولد مندوب إليه لقوله صلى الله عليه وسلم : إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة . رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي في سننه من رواية حفص ابن أخي أنس عن أنس رضي الله تعالى عنه .
174 - حدثنا مسدد ، عن هشيم ، عن سيار ، عن الشعبي ، عن جابر قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ، فلما قفلنا تعجلت على بعير قطوف ، فلحقني راكب من خلفي ، فالتفت فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ما يعجلك ؟ قلت : إني حديث عهد بعرس . قال : فبكرا تزوجت أم ثيبا ؟ قلت : بل ثيبا . قال : فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك ! قال : فلما قدمنا ذهبنا لندخل ، فقال : أمهلوا حتى تدخلوا ليلا - أي عشاء - لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة .
قال : وحدثني الثقة أنه قال في هذا الحديث : الكيس الكيس يا جابر - يعني الولد .


مطابقته للترجمة لا يتأتى أخذها إلا من قوله صلى الله عليه وسلم " الكيس الكيس يا جابر - يعني الولد " ، والمراد منه الحث على ابتغاء الولد ، يقال أكيس الرجل إذا ولد له أولاد أكياس .
وهشيم - مصغر هشم - ابن بشير الواسطي ، أصله من بلخ ، نزل واسط للتجارة . وسيار - بفتح السين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبعد الألف راء - هو ابن أبي سيار ، واسمه وردان أبو الحكم العنزي الواسطي ، يروي عن عامر بن شراحيل الشعبي .
والحديث أخرجه البخاري أيضا عن أبي النعمان ويعقوب بن إبراهيم ، وعن محمد بن الوليد عن غندر عن شعبة .
وأخرجه مسلم في النكاح عن يحيى بن يحيى ، وفي الجهاد عنه وعن إسماعيل وعن أبي موسى .
وأخرجه أبو داود في الجهاد عن أحمد بن حنبل عن هشيم به ، وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن الحسن بن إسماعيل وغيره .
قوله ( عن سيار عن الشعبي ) ، وفي رواية أبي عوانة من طريق شريح بن النعمان " حدثنا سيار حدثنا الشعبي " ، وفي رواية أحمد من وجه آخر " سمعت الشعبي " .
قوله ( قفلنا ) بالقاف وبفتح الفاء المخففة ؛ أي رجعنا .
قوله ( قطوف ) بفتح القاف ؛ أي بطيء المشي .
قوله ( ما يعجلك ؟ ) بضم الياء ؛ أيْ أيُّ شيء يعجلك .
قوله ( حديث عهد بعرس ) ؛ أي جديد التزوج ، وطابق السؤال الجواب بلازمه وهو الحداثة .
قوله ( فبكرا تزوجت ) منصوب بقوله " تزوجت " ، والضمير المنصوب فيه محذوف ؛ أي تزوجته .
قوله ( بل ثيبا ) منصوب بفعل مقدر ؛ أي تزوجت ثيبا .
قوله ( أي عشاء ) إنما فسر به لئلا يعارض ما تقدم أنه لا يطرق أهله ليلا مع أن المنافاة [20/222] منتفية من حيث إن ذلك فيمن جاء بغتة ، وأما هنا فقد بلغ خبر مجيئهم وعلم الناس وصولهم .
قوله ( الشعثة ) بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة وبالثاء المثلثة ، وهي المغبرة الرأس المنتشرة الشعر .
قوله ( وتستحد المغيبة ) ، وقد فسرناها عن قريب وهي التي غاب عنها زوجها .
والاستحداد استعمال الحديد في شعر العانة وهي إزالته بالموسى ، هذا في حق الرجال ، وأما النساء فلا يستعملن إلا النورة أو غيرها مما يزيل الشعر .
قوله ( قال : وحدثني الثقة ) ، القائل هو هشيم - أشار إليه الإسماعيلي ، وقال الكرماني : الظاهر أنه البخاري أو مسدد . قلت : هو جرى على ظاهر اللفظ ، والمعتمد ما قاله الإسماعيلي : لا يقال هذا رواية عن مجهول ؛ لأنه إذا ثبت عند الراوي عنه أنه ثقة فلا بأس بعدم العلم باسمه . وقال الكرماني : إنما لم يصرح بالاسم لأنه لعله نسيه أو لم يحققه ، وفيه تأمل .
قوله ( قال في هذا الحديث ) ، وفي رواية النسائي عن أحمد بن عبد الله بن الحكم عن محمد بن جعفر قال " وقال " بإثبات الواو ، وكذا أخرجه أحمد عن محمد بن جعفر ولفظه " قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا دخلت فعليك الكيس الكيس .
قوله ( الكيس الكيس ) مذكور مرتين ومنصوب على الإغراء ، والكيس الجماع والعقل ، والمراد حثه على ابتغاء الولد . وقال الخطابي : الكيس هنا يجري مجرى الحذر من العجز عن الجماع ، ففيه الحث على الجماع ، وقد يكون بمعنى الرفق وحسن التأني . وقال ابن الأعرابي : الكيس العقل - كأنه جعل طلب الولد عقلا ، وفي اللغة الكوس - بالسين المهملة والمعجمة - الجماع ، يقال كاس الجارية وكاسها وكارسها وكاوسها مكاوسة وكواسا واكتاسها ؛ كل ذلك إذا جامعها .