14 - حدثني الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال : زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول : سمعت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث عند زينب ابنة جحش ويشرب عندها عسلا ، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فلتقل إني أجد منك ريح مغافير ! أكلت مغافير ؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك ، فقال : لا ، بل شربت عسلا عند زينب ابنة جحش ولن أعود له ! فنزلت : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك - إلى : إن تتوبا إلى الله ؛ لعائشة وحفصة . وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا - لقوله : بل شربت عسلا .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحسن بن محمد بن الصباح هو الزعفراني وقد مر ذكره عن قريب ، وحجاج هو ابن محمد الأعور ، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وعطاء هو ابن أبي رباح .
وأهل الحجاز يطلقون الزعم على مطلق القول ، والمعنى " قال : قال عطاء " ، ووقع في رواية هشام بن يوسف " عن ابن جريج عن عطاء " ، وقد مضى في التفسير .
وعبيد بن عمير - كلاهما بالتصغير - هو أبو عاصم الليثي المكي .
وهنا ثلاثة مكيون متوالية ؛ وهم : ابن جريج ، وعطاء ، وعبيد .
والحديث قد مر في سورة التحريم ومضى الكلام فيه هناك .
قوله ( فتواصيت ) بالصاد المهملة ، قال بعضهم : من المواصاة . قلت : ليس كذلك ، بل من التواصي ، ومن لم يفرق بين باب التفاعل وباب المفاعلة كيف تقدم إلى ميدان الشرح !
وفي رواية هشام " فتواطأت " بالطاء ، وكذلك قال القائل المذكور إنه من المواطأة وليس كذلك ، بل هو من التواطؤ .
قوله ( أن أيتنا ) بفتح الهمزة وتشديد الياء آخر الحروف المفتوحة وفتح التاء المثناة من فوق ، وهي كلمة " أي " أضيفت إلى نون المتكلم ، وقال الكرماني : ويروى " إن أوتينا ودخل علينا " ، قلت : ولا تحققت لي صحتها ، ويروى " ما دخل " ، وكلمة " ما " زائدة .
قوله ( مغافير ) بالياء آخر الحروف بعد الفاء في جميع نسخ البخاري ، ووقع في بعض النسخ عند مسلم في بعض المواضع " مغافر " بحذف الياء ، وقال عياض : الصواب إثباتها لأنها عوض عن الواو التي للمفرد لأنه جمع مغفور - بضم الميم وإسكان الغين المعجمة وضم الفاء وبالواو والراء ، وليس في كلامهم مفعول بالضم إلا مغفور ومغرور بالغين المعجمة من أسماء الكماة ومنخور من أسماء الأنف ومغلوق بالغين المعجمة واحد المغاليق . وقال ابن قتيبة : المغفور صمغ حلو له رائحة كريهة . وذكر البخاري أن المغفور شبيه بالصمغ يكون في الرمث - بكسر الراء وسكون الميم وبالثاء المثلثة - وهو من الشجر التي ترعاها الإبل ، وهو من الحمض ، وفي الصمغ المذكور حلاوة . وذكر أبو زيد الأنصاري أن المغفور يكون في العشر - بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة وبالراء - وفي الثمام - بالثاء المثلثة - والسدر والطلح . ويقال : المغافير جمع مغفار . وقال الكرماني : وهو نوع من الصمغ يحلب عن بعض الشجر يحل بالماء ويشرب ، وله رائحة كريهة . وقال أبو حنيفة في كتاب النبات : يقال مغثور بالثاء المثلثة موضع الفاء ، وقيل : الميم فيه زائدة . وبه قال الفراء ، والجمهور على أنها أصلية .
قوله ( أكلت مغافير ؟ ) أصله بهمزة الاستفهام فحذفت .
قوله ( فدخل ) ؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم ( على إحداهما ) ؛ [20/243] أي إحدى المذكورتين وهما عائشة وحفصة ، ولم يعلم أيتهما كانت قبل ، وبالظن أنها حفصة .
قوله ( لا ، بل شربت عسلا ) ، كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر عن شيوخه " لا ، بل شربت عسلا " .
قوله ( ولن أعود له ) ؛ أي للشرب ، وزاد في رواية هشام " وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا " ، فظهر بهذه الزيادة أن الكفارة في قوله " قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ " لأجل يمينه - صلى الله عليه وسلم - بقوله " وقد حلفت " ولم يكن لمجرد التحريم ، وبهذه الزيادة أيضا مناسبة قوله في رواية حجاج بن محمد " فنزلت : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ " الآية ، وبدون هذه الزيادة لا يظهر لقوله " فنزلت " معنى يطابق ما قبله .
قوله ( إلى : إِنْ تَتُوبَا ؛ أي قرأ من أول السورة إلى هذا الموضع .
قوله ( لعائشة وحفصة ) ؛ أي الخطاب لهما في قوله " إِنْ تَتُوبَا " .
قوله وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إلى آخره - من بقية الحديث ، وكذا وقع في رواية مسلم في آخر الحديث وكان المعنى ، وأما المراد بقوله تعالى " وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا " فهو لأجل قوله " بل شربت عسلا " .