15 - حدثنا فروة بن أبي المغراء ، حدثنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب العسل والحلواء ، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن ، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس ، فغرت ، فسألت عن ذلك فقيل لي : أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت النبي - صلى الله عليه وسلم - منه شربة . فقلت : أما والله لنحتالن له ! فقلت لسودة بنت زمعة : إنه سيدنو منك ، فإذا دنا منك فقولي : أكلت مغافير ؟ فإنه سيقول لك : لا . فقولي له : ما هذه الريح التي أجد منك ؟ فإنه سيقول لك : سقتني حفصة شربة عسل ! فقولي له : جرست نحله العرفط ! وسأقول ذلك ، وقولي أنت يا صفية ذاك . قالت : تقول سودة : فوالله ما هو إلا أن قام على الباب فأردت أن أبادئه بما أمرتني به فرقا منك ، فلما دنا منها قالت له سودة : يا رسول الله ، أكلت مغافير ؟ قال : لا . قالت : فما هذه الريح التي أجد منك ؟ قال : سقتني حفصة شربة عسل . فقالت : جرست نحله العرفط . فلما دار إلي قلت له نحو ذلك ، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك ، فلما دار إلى حفصة قالت : يا رسول الله ، ألا أسقيك منه ! قال : لا حاجة لي فيه . قالت : تقول سودة : والله لقد حرمناه . قلت لها : اسكتي !

مطابقته للترجمة من حيث إن فيه منع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نفسه عن شرب العسل ، يفهم ذلك من قوله " لا حاجة لي فيه " ، ويؤيد هذا زيادة هشام في روايته في الحديث السابق " وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا ، فنزلت : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ " الآية .
وقال القاضي : اختلف في سبب نزول هذه الآية ؛ فقالت عائشة : في قصة العسل . وعن زيد بن أسلم أنها نزلت في تحريم مارية جاريته وحلفه أن لا يطأها ، والصحيح في سبب نزول الآية أنه في قصة العسل لا في قصة مارية المروي في غير الصحيحين ، وقال النووي : ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح
. قال النسائي : حديث عائشة في العسل حديث صحيح غاية .
ثم إن البخاري أخرج طرفا من هذا الحديث في كتاب النكاح في باب دخول الرجل على نسائه في اليوم عن فروة عن علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة ، ثم أخرجه هنا مطولا بهذا الإسناد ثم صدره بقول عائشة رضي الله تعالى عنها " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب العسل والحلواء " تمهيدا لما سيذكره من قصة العسل ، مع أنه أفرد ذكر محبة العسل والحلواء في كتاب الأطعمة وكتاب الأشربة وغيرهما على ما سيأتي إن شاء الله تعالى .
وأخرجه مسلم أيضا من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة مطولا نحو إخراج البخاري ، ثم قال : وحدثنيه سويد بن سعيد قال : حدثنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة - بهذا الإسناد نحوه ، ولكن وقع في رواية مسلم " كان يحب الحلواء والعسل " بتقديم الحلواء على العسل ، وهاهنا قدم العسل على الحلواء ، وقال [20/244] الكرماني : ذكر العسل بعده للتنبيه على شرفه ، وهو من باب عطف العام على الخاص . وقال النووي في شرح مسلم : قال العلماء : المراد بالحلواء هنا كل شيء حلو ، وذكر العسل بعدها تنبيها على شرفه ومزيته ، وهو من باب ذكر الخاص بعد العام . وقال بعضهم : ولتقديم كل منهما على الآخر جهة من جهات التقديم ، فتقديم العسل لشرفه ولأنه أصل من أصول الحلواء ، ولأنه مفرد والحلواء مركب ، وتقديم الحلواء لشمولها وتنوعها لأنها تتخذ من العسل وغيره ، وليس ذلك من عطف العام على الخاص كما زعم بعضهم ، وإنما العام الذي يدخل الجميع فيه . انتهى ، قلت : الظاهر أن تشنيعه على الكرماني لا وجه له ؛ لأن الصريح من كلامه أنه من باب عطف العام على الخاص كما في قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وقوله " إنما العام الذي يدخل فيه الجميع " يرد عليه كلامه ؛ لأن الحلواء يدخل فيها كل شيء حلو كما ذكره النووي ، فكيف يقول " وليس ذلك من باب عطف العام على الخاص " ؟ وهذه مكابرة ظاهرة ، فأما النووي فإنه صرح بأنه من باب عطف الخاص على العام كما في قوله تعالى : تَنَـزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ - وكل منهما ذكر ما يليق بالمقام .
قوله ( العسل ) ، وهو في الأصل يذكر ويؤنث .
قوله ( والحلواء ) فيه المد والقصر ، قاله ابن فارس . وقال الأصمعي : هي مقصورة تكتب بالياء . ووقعت في رواية علي بن مسهر بالقصر ، وفي رواية أبي أسامة بالمد .
قوله ( من العصر ) ؛ أي من صلاة العصر ، كذا ذكر في رواية الأكثرين ، وخالفهم حماد بن سلمة عن هشام بن عروة فقال " من الفجر " ؛ أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن أبي النعمان عن حماد ، وتساعده رواية يزيد بن رومان عن ابن عباس ففيها " وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح جلس في مصلاه وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس ، ثم يدخل على نسائه امرأة امرأة يسلم عليهن ويدعو لهن ، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها . . . " الحديث ، أخرجه ابن مردويه .
فإن قلت : كيف التوفيق بين هاتين الروايتين ؟ قلت : رواية عائشة " من العصر " محفوظة ، ورواية حماد شاذة ، ولئن سلمنا فيمكن أن تحمل رواية " إذا انصرف من صلاة الفجر أو الصبح " على أنه كان الذي يقع منه في أول النهار محض السلام والدعاء ، والذي كان بعد العصر الجلوس والاستئناس والمحادثة ، أو نقول إنه كان في أول النهار تارة وفي آخره تارة ولم يكن مستمرا في واحد منهما
.
قوله ( دخل على نسائه ) ، وفي رواية أبي أسامة " أجاز إلى نسائه " ؛ أي مضى .
قوله ( فيدنو من إحداهن ) ؛ أي يقرب منهن ، والمراد به التقبيل والمباشرة من غير جماع .
قوله ( فاحتبس ) ؛ أي مكث زمانا عند حفصة ، وفي رواية أبي أسامة " فاحتبس عندها أكثر ما كان يحتبس " ، وكلمة " ما " مصدرية ؛ أي أكثر احتباسه خارجا عن العادة .
قوله ( فغرت ) ؛ أي قالت عائشة " فغرت " بكسر الغين المعجمة وسكون الراء وضم التاء ، من الغيرة وهي التي تعرض للنساء من الضرائر .
قوله ( فسألت عن ذلك ) ؛ أي عن احتباسه الخارج عن العادة عند حفصة ، ووقع في حديث ابن عباس بيان ذلك ، ولفظه " فأنكرت عائشة احتباسه عند حفصة ، فقالت لجويرية حبشية يقال لها خضراء : إذا دخل على حفصة فادخلي عليها فانظري ماذا تصنع " .
فإن قلت : في الحديث السابق أنه شرب في بيت زينب ، وفي هذا الحديث أنه شرب في بيت حفصة ، فهذا ما في الصحيحين ، وروى ابن مردويه من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس : أن شرب العسل كان عند سودة ! قلت : قالوا : طريق الجمع بين هذا الاختلاف الحمل على التعدد ، فلا يمتنع تعدد السبب للأمر الواحد ، وأما ما وقع في تفسير السدي أن شرب العسل كان عند أم سلمة - أخرجه الطبري وغيره - فهو مرجوح لإرساله وشذوذه .
قوله ( أهدت لها ) ؛ أي لحفصة رضي الله تعالى عنها ( امرأة من قومها ) لم يدر اسمها ( عكة من عسل ) ، وفي حديث ابن عباس " عسل من طائف " .
والعُكة بضم العين المهملة وتشديد الكاف وهي الزق الصغير ، وقيل آنية السمن .
قوله ( أما والله ) ، كلمة " أما " بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح ، ويكثر قبل القسم .
قوله ( لنحتالن ) بفتح اللام للتأكيد ، من الاحتيال .
قال الكرماني : كيف جاز على أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاحتيال ؟ فأجاب بأنه من مقتضيات الغيرة الطبيعية للنساء ، وهو صغيرة معفو عنها مكفرة .
قوله ( إنه ) ؛ أي إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيدنو منك ، وقد مر بيان المراد من الدنو عن قريب .
قوله ( فإذا دنا منك ) ، وفي رواية حماد بن سلمة " إذا دخل على إحداكن فلتأخذ بأنفها ، فإذا قال ما شأنك ؟ فقولي : ريح المغافير " ، وقد مر تفسيره عن قريب .
قوله ( سقتني حفصة شربة عسل ) ، وفي رواية حماد بن سلمة " إنما هي عسيلة سقتنيها حفصة " .
قوله ( جرست نحله العرفط ) ، " جرست " بفتح الجيم والراء والسين المهملة ؛ أي رعت ، وقال الكرماني : أي أكلت . وقال [20/245] صاحب العين : جرست النحل بالعسل يجرسه جرسا وهو لحسها إياه ، والعرفط بضم العين المهملة والفاء وسكون الراء وبالطاء المهملة من شجر العضاة ، والعضاة كل شجر له شوك ، وإذا استيك به كانت له رائحة حسنة تشبه رائحة طيب الند . ويقال : هو نبات له ورقة عريضة تفترش على الأرض له شوكة حجناء وثمرة بيضاء كالقطن مثل ذر القميص ، خبيث الرائحة ، يلحسه النحل ويأكل منه ليحصل منه العسل . وقيل : هو الشجر الذي صمغه المغافير .
قوله ( يا صفية ) ؛ أي بنت حُيَيٍّ أم المؤمنين .
قوله ( ذاك ) إشارة إلى قوله " أكلت المغافير " .
قوله ( قالت : تقول سودة ) ؛ أي قالت عائشة حكاية عن قول سودة لما دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله ( فوالله ) إلى قوله ( فلما دنا منها ) مقول سودة .
قوله ( ما هو إلا أن قام على الباب ) ؛ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله ( فأردت أن أناديه ) بالنون من المناداة ، هكذا في رواية ابن عساكر ، وفي أكثر الروايات " أبادئه " بالباء الموحدة والهمزة - من المبادأة ، وفي رواية أبي أسامة " أبادره " من المبادرة وهي المسارعة .
قوله ( فرقا منك ) ؛ أي خوفا ، والخطاب لعائشة .
قوله ( فلما دنا منها ) ؛ أي فلما دنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سودة .
قوله ( فلما دار إلى ) من الدوران ، معناه لما دخل عليها ، وكذا في رواية مسلم . قال الكرماني : فلم دار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها ولم يكن لها نوبة ؟ فأجاب بأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل عليها ويتردد إليها ، أو كان هذا قبل هبة نوبتها ، وكذا معنى قوله " فلما دار إلى صفية " .
قوله ( قالت له مثل ذلك ) ؛ أي مثل ما قالت سودة " جرست نحله العرفط " .
فإن قلت : قال عند إسناد القول إلى صفية " مثل ذلك " ، وفي إسناده إلى سودة " نحو ذلك " ؛ أي نحو ما قالت عائشة لأنها أيضا قالت ؛ لأنه قال فيما قبل عن عائشة " وسأقول ذلك ، وقولي أنت يا صفية " . قلت : قال بعضهم ما ملخصه : إن عائشة لما كانت مبتكرة لهذا الأمر قيل " نحو ذلك " لهذا الأمر ، وأما صفية فإنها كانت مأمورة به وليس لها تصرف قيل " مثل ذلك " ، ثم قال : رجعت إلى سياق أبي أسامة فوجدته عبر بالمثل في الموضعين ، فغلب على الظن أن تغيير ذلك من تصرف الرواة .
قلت : لم يذكر جوابا يشفي العليل ولا يروي الغليل ، فإذا علم الفرق بين النحو والمثل علمت النكتة فيه ؛ فالنحو في اللغة عبارة عن القصد ، يقال نحوت نحوك أي قصدت قصدك ، ومثل الشيء شبهه ومماثل له ، ثم إنهم يستعملون لفظ النحو بمعنى المثل إذا كان لهم قصد كلي في بيان المماثلة بخلاف لفظة المثل فإن فيها مجرد بيان المماثلة مع قطع النظر عن غيرها ، ولما كانت عائشة رضي الله تعالى عنها قاصدة بالقصد الكلي تبليغ هذه الكلمة - أعني لفظ " جرست نحله العرفط " - قالت سودة نحو ذلك ، بخلاف صفية فإنها لم تقصد ذلك أصلا ولكنها قالته للامتثال ، ولا ينبغي أن يظن في الرواة التغيير بالظن الفاسد ، فأقل الأمر فيه أن يقال هذا من باب التفنن ، فإن فيه تحصيل الرونق للكلام ، فافهم .
قوله ( حرمناه ) بتخفيف الراء المفتوحة ؛ أي منعناه ، من حرم يحرم من باب ضرب يضرب ، يقال حرمه الشيء يحرمه حرما - بالكسر - وحرمة كذلك ، وحريمة وحرمانا إذا منعه ، وكذلك أحرمه ، وأما حرم الشيء بضم الراء فمصدره حرمة بالضم .
قوله ( قلت لها : اسكتي ) ؛ أي قالت عائشة لسودة ، كأنها خشيت أن يفشو ذلك فيظهر ما دبرته من كيدها لحفصة .
ثم اعلم أن في هذا الحديث فوائد ؛ منها أن الغيرة مجبولة في النساء طبعا ، فالغيرى تعذر في منع ما يقع منها من الاحتيال في وقع ضرر الضرة .
ومنها ما فيه من بيان علو مرتبة عائشة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى كانت ضرتها تهابها وتطيعها في كل شيء تأمرها به ، حتى في مثل هذه القضية مع الزوج الذي هو أرفع الناس قدرا .
ومنها أن عماد القسم الليل ، وأن النهار يجوز فيه الاجتماع بالجميع بشرط ترك المجامعة إلا مع صاحبة النوبة .
ومنها أن الأدب استعمال الكنايات فيما يستحيا من ذكره ، كما في قوله في الحديث " فيدنو منهن " ، والمراد التقبيل والتحضين لا مجرد الدنو .
ومنها أن فيه فضيلة العسل والحلواء لمحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهما ، ومنها أن فيه بيان صبر النبي - صلى الله عليه وسلم - غاية ما يكون ونهاية حلمه وكرمه الواسع .