[1/150] فصل
خرج البخاري ومسلم :
43 - من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة ، فقال : " من هذه " فقالت : فلانة ، تذكر من صلاتها . فقال : " مه ، عليكم بما تطيقون ، فوالله لا يمل الله حتى تملوا " . وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه .


وقد ورد في رواية أخرى مخرجة في غير هذا الموضع أن هذه المرأة اسمها الحولاء بنت تويت ، وأن عائشة قالت عنها : زعموا أنها لا تنام الليل .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " مه " - زجر لعائشة عن قولها عن هذه المرأة في كثرة صلاتها وأنها لا تنام الليل ، وأمر لها بالكف عما قالته في حقها ؛ فيحتمل أن ذلك كراهية للمدح في وجهها ؛ حيث كانت المرأة حاضرة . ويحتمل ، وهو الأظهر ، وعليه يدل سياق الحديث - أن النهي إنما لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع .
وعلى هذا فكثيرا ما يذكر في مناقب العباد من الاجتهاد المخالف للشرع ، ينهى عن ذكره على وجه التمدح به ، والثناء به على فاعله .
وقد سبق شرح هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم : " الدين يسر " . فإن المراد بهذا الحديث الاقتصاد في العمل ، والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه ، وأن أحب العمل إلى الله ما دام صاحبه عليه وإن قل .
وقد روي ذلك في حديث آخر .
[1/151] وكذلك كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ، كان عمله ديمة ، وكان إذا عمل عملا أثبته .
وقد كان ينهى عن قطع العمل وتركه كما قال لعبد الله بن عمرو " لا تكن مثل فلان ؛ كان يقوم الليل ، فترك قيام الليل " .
وقوله : " إن الله لا يمل حتى تملوا " .
وفي رواية : " لا يسأم حتى تسأموا " .
الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه ، فإذا سأم العبد من العمل ومله قطعه وتركه ، فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل ؛ فإن العبد إنما يجازى بعمله .
فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم ، كما قال الحسن : إن دور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر ، فإذا فتر العبد انقطع الملك عن البناء ، فتقول له الملائكة : ما شأنك يا فلان ؟ فيقول : إن صاحبي فتر ! قال الحسن : أمدوهم - رحمكم الله - بالنفقة .
وأيضا فإن دوام العمل وإيصاله ربما حصل للعبد به في عمله الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه ؛ فإن الله يحب مواصلة العمل ومداومته ، ويجزي على دوامه ما لا يجزي على المنقطع منه .
وقد صح هذا المعنى في الدعاء ، وأن العبد يستجاب له ما لم يعجل ، فيقول : قد دعوت فلم يستجب لي ! فيدع الدعاء .
[1/152] فدل هذا على أن العبد إذا أدام الدعاء وألح فيه أجيب ، وإن قطعه واستحسر منع إجابته . وسمى هذا المنع من الله مللا وسآمة مقابلة للعبد على ملله وسآمته ، كما قال تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ فسمي إهمالهم وتركهم نسيانا مقابلة لنسيانهم له ، هذا أظهر ما قيل في هذا .
ويشهد له أنه قد روي من حديث عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " اكلفوا من العمل ما تطيقون ؛ فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل " .
خرجه بقي بن مخلد ، وفي إسناده موسى بن عبيدة .

وقد قيل : إن " حتى " هاهنا بمعنى واو العطف ، ولكن لا يصح دعوى كون " حتى " عاطفة ؛ لأنها إنما تعطف المفردات لا الجمل ، هذا هو المعروف عند النحويين ، وخالف فيه بعضهم .
وقيل : إن " حتى " فيه بمعنى " حين " ، وهذا غير معروف .
وزعم ابن قتيبة أن المعنى " لا يمل إذا مللتم " ، وزعم أن هذا الاستعمال معروف في كلام العرب . وقد يقال : إن " حتى " بمعنى لام التعليل ، وإن المراد : إن الله لا يمل لكي تملوا أنتم من العمل .
[1/153] وفيه بعد أيضا .
ولو كان كذلك لقال : حتى لا تملوا ، ويكون التعليل حينئذ لإعلامهم بأن الله لا يمل من العطاء ، فيكون إخبارهم بذلك مقتضيا لمداومتهم على العمل وعدم مللهم وسآمتهم .
وقد يقال : إنما يدل هذا الكلام على نسبة الملل والسآمة إلى الله بطريق مفهوم الغاية .
ومن يقول : إنه لا مفهوم لها - فإنه يمنع من دلالة الكلام على ذلك بالكلية .
ومن يقول بالمفهوم فإنه يقول : متى دل الدليل على انتقائه لم يكن مرادا من الكلام ، وقد دلت الأدلة على انتفاء النقائص والعيوب عن الله تعالى ، ومن جملة ذلك لحوق السآمة والملل له .
ولكن بعض أصحابنا ذكر أن دلالة مفهوم الغاية كالمنطوق ، بمعنى أنه لا يجوز أن يكون ما بعد الغاية موافقا لما قبلها بمفهوم الموافقة أو غيره .
فعلى قوله يتعين في هذا الحديث أحد الأجوبة المتقدمة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .