( باب النهس وانتشال اللحم )

أي هذا باب في بيان نهس اللحم ، وهو بفتح النون وسكون الهاء ، وفي آخره سين مهملة ، أو معجمة وهما بمعنى واحد ، وبه جزم الأصمعي والجوهري أيضا ، وهو القبض على اللحم بالفم وإزالته من العظم وغيره ، وقيل : هذا تفسيره بالمعجمة ، وأما بالمهملة فهو تناوله بمقدم الفم ، وقيل : النهس بالمهملة القبض على اللحم ونثره عند أكله ، ونقل ابن بطال عن أهل اللغة : نهس الرجل والسبع اللحم نهسا قبض عليه ثم نثر .
قوله : " وانتشال اللحم " بالشين المعجمة ، وهو التناول والقطع والاقتلاع ، يقال : نشلت اللحم من المرق ، أي : أخرجته منه ، ونشلت اللحم عن القدر وانتشلته إذا انتزعته منها ، وقيل : هو أخذ اللحم قبل النضج والنشيل ذلك اللحم .
31 - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب ، حدثنا حماد ، حدثنا أيوب ، عن محمد ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : تعرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتفا ، ثم قام فصلى ولم يتوضأ . وعن أيوب وعاصم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : انتشل النبي - صلى الله عليه وسلم - عرقا من قدر فأكل ، ثم صلى ولم يتوضأ .

مطابقته للجزء الثاني للترجمة ظاهرة ، ويمكن أن تؤخذ المطابقة للجزء الأول من قوله : " تعرق " من حيث حاصل المعنى لا من حيث اللفظ ، وذلك لأن معنى " تعرق كتفا " تناول اللحم الذي عليه ، والنهس أيضا تناول اللحم بالفم وإزالته من العظم ، كما ذكرناه .
وحماد هو ابن زيد ، وأيوب هو السختياني ، ومحمد هو ابن سيرين ، وقال يحيى بن معين : لم يسمع محمد من ابن عباس ، إنما روى عن عكرمة عنه ، وقال عبد الله بن أحمد ، عن أبيه : لم يسمع محمد من ابن عباس ، يقول في كلها : بلغت عن ابن عباس ، وقال ابن المديني : قال شعبة : أحاديث محمد عن ابن عباس إنما سمعها من عكرمة ، لقيه أيام المختار بن أبي عبيد ، ولم يسمع محمد من ابن عباس شيئا ، قيل : ما له في البخاري غيره عن ابن عباس .
وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن عيسى بن الطباع ، عن [21/48] حماد بن زيد ، فأدخل بين محمد بن سيرين وابن عباس عكرمة ، وإنما صح عنده لمجيئه بالطريق الأخرى الثابتة ، فأورده على الوجه الذي سمعه . قلت : غرض هذا القائل دفع من يدعي انقطاع ما أخرجه البخاري هاهنا ، ولكن ما يجديه ذلك كما ينبغي على ما لا يخفى .
قوله : " تعرق " على وزن تفعل بالتشديد ، أي : أكل ما كان من اللحم على الكتف ، ويوضحه ما رواه في كتاب الطهارة من حديث عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل كتف شاة ، ثم صلى ولم يتوضأ ، فإن قلت : روى مسلم من طريق محمد بن عمرو بن عطاء ، عن ابن عباس : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بهدية خبز ولحم فأكل ثلاث لقم ... الحديث . قلت : الظاهر تعدد القضية ، والله أعلم .
قوله : " وعن أيوب وعاصم" ... إلى آخره ، أيوب هو السختياني المذكور ، وعاصم هو ابن سليمان الأحول البصري ذكره صاحب التوضيح والتعليق عن أيوب ذكره صاحب الأطراف أن البخاري رواه في الأطعمة عن عبد الله بن عبد الوهاب ، عن حماد عنه ، وعن عاصم كلاهما عن عكرمة ، وتبعه على ذلك صاحب التوضيح ، وقال بعضهم : قوله " وعن أيوب " معطوف على السند الذي قبله ، وأخطأ من زعم أنه معلق ، وقد أورده أبو نعيم في المستخرج من طريق الفضل بن الحارث ، عن الحجبي ، وهو عبد الله بن عبد الوهاب شيخ البخاري فيه بالسند المذكور ، وحاصله أن الحديث عند حماد بن زيد ، عن أيوب بسندين على لفظين : أحدهما عن ابن سيرين باللفظ الأول ، والثاني عنه عن عكرمة وعاصم الأحول باللفظ الثاني ، انتهى .
قلت : الظاهر أن هذا القائل هو الذي أخطأ في دعواه الاتصال ؛ لأن في مقاله رواية الحديث بسندين مختلفين بسند واحد ، فلا يتجه ذلك على ما لا يخفى
.
قوله : " انتشل " قد مر تفسيره الآن .