[2/607]
90 - باب
سترة الإمام سترة لمن خلفه
خرج فيه ثلاثة أحاديث :
الحديث الأول :
قال :
493 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عبد الله بن عباس ، أنه قال : أقبلت راكبا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار ، فمررت بين يدي بعض الصف ، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد


وقد خرجه - أيضا - في " كتاب العلم " عن إسماعيل ، عن مالك .
وخرجه في آخر " المغازي " في " باب : حجة الوداع " عن يحيى بن قزعة ، عن مالك .
وذكره تعليقا ، قال : وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني عبيد الله بن عبد الله ، أن ابن عباس أخبره ، أنه أقبل يسير على حمار ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس ، فسار الحمار بين يدي بعض الصف ، ثم نزل عنه فصف مع الناس .
ولكن هذا لفظ رواية يونس .
وقد خرجه به مسلم في " صحيحه " من طريق ابن وهب ، عنه .
[2/608] وخرجه مسلم - أيضا - من طريق ابن عينية ، عن الزهري ، وقال : والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعرفة .
ومن طريق معمر ، عن الزهري ، ولم يذكر فيه : منى ولا عرفة ، وقال في حجة الوداع - أو يوم الفتح .
واقتصر من حديث ابن عيينة ومعمر على هذا .
وذكر يوم الفتح لا وجه له ؛ فإن ابن عباس لم يكن قد ناهز يومئذ الاحتلام ، ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي يومئذ بمنى ولا عرفة .
وفي رواية ابن عيينة : جئت أنا والفضل على أتان لنا .
وفي رواية - أيضا - فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا شيئا .
وقد خرجه النسائي بتمامه هكذا .
وخرج الترمذي حديث معمر بتمامه ، ولفظه : كنت رديف الفضل على أتان ، فجئنا والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه بمنى ، فنزلنا عنها ، فوصلنا الصف ، فمرت بين أيديهم ، فلم تقطع صلاتهم .
ففي هذه الروايات : أن ابن عباس مر على حماره بين يدي بعض الصف والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس ، فلم ينكر ذلك عليه أحد ، لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد ممن صلى خلفه .
وبهذا استدل البخاري وغيره من العلماء على أن سترة الإمام سترة لمن خلف ؛ لأن سترة الإمام إذا كَانَتْ محفوظة كفى ذَلِكَ المأمومين ، ولم يضرهم مرور من مر بَيْن أيديهم ؛ ولذلك لا يشرع للمأمومين اتخاذ سترة لهم وهم خلف الإمام .
ولا نعلم أحدا ذكر في حديث ابن عباس : " إلى غير جدار " غير مالك . وقد [2/609] خرجه في " الموطأ " في موضعين ، ذكر في أحدهما هذه الكلمة ، وأسقطها في الأخرى .
وقد قال الشافعي : قول ابن عباس : " إلى غير جدار " ، أراد - والله أعلم - : إلى غير سترة .
واستدل بذلك على أن السترة غير واجبة في الصلاة .
وحمله غيره على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى عنزة ، فإن هذه كانت عادته في الأسفار ، على ما يأتي - إن شاء الله تعالى .
فكلام البخاري قد يدل على هذا ؛ لإدخاله هذا الحديث في أن سترة الإمام سترة لمن خلفه .
وحمله الإمام أحمد - في رواية ابن منصور والأثرم - على مثل هذا .
لكن البخاري قد خرج الحديث ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى غير جدار ، كما تقدم ، إلا أن يقال : لا يلزم من عدم الجدار نفي استتاره بحربة ونحوها .
وقد ذكر الأثرم أن ابن أخي الزهري روى هذا الحديث عن الزهري ، وذكر فيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى غير سترة .
وقد روي عن الإمام أحمد مثل قول الشافعي ، وأنه حمل الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى غير سترة - : نقله عنه الحسن بن ثواب .
واستدل بالحديث - في رواية جماعة من أصحابه عنه - على أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع صلاته ، وعارض به حديث أبي ذر .
وهذا إنما يكون إذا كان يصلي إلى غير سترة .
[2/610] وقد ورد في رواية التصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى غير سترة . وفي حديث آخر التصريح بأن ابن عباس مر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم .
فأما الأول ، فمن طريق الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، عن أبي الصهباء ، قال : تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس ، قال : جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، فنزل ونزلت وتركنا الحمار أمام الصف ، فما بالاه ، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب فدخلتا بين الصف ، فما بالى ذلك .
خرجه أبو داود - وهذا لفظه - والنسائي .
وخرجه الأثرم ، وعنده : ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في أرض خلاء .
وخرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في " كتاب الشافي " من طريق شعبة ، ولفظه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في فضاء ليس بين يديه سترة .
وقد ذكره الإمام أحمد بهذا اللفظ من حديث شعبة ، واحتج به ، ولم نجده في " المسند " بهذا اللفظ .
وذكر الأثرم أن شعبة ومنصورا رويا في هذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في فضاء من الأرض ، ليس بين يديه سترة ، ولعل هذا مما تصرفوا في لفظه لما فهموه من معناه ، هكذا رواه شعبة ومنصور ، عن الحكم ، عن يحيى ، عن صهيب .
ورواه شعبة - أيضا - عن عمرو بن مرة ، عن يحيى بن الجزار ، عن ابن عباس - من غير ذكر : " صهيب " في إسناده .
خرجه الإمام أحمد كذلك .
وقد روي عن منصور ، عن الحكم كذلك - أيضا .
[2/611] خرجه ابن حبان في " صحيحه " كذلك .
ورواه حجاج ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، عن ابن عباس - من غير ذكر : " أبي الصهباء " - أيضا - ولفظ حديثه : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضاء ، ليس بين يديه شيء - ولم يزد على ذلك .
خرجه من طريقه الإمام أحمد .
وأبو الصهباء ، اسمه : صهيب المدني ، وهو ثقة ، وثقه أبو زرعة وغيره . ويقال : إنه البكري ، وهو مدني ، لكن سئل عن صهيب هذا ، فقال : شيخ من أهل البصرة . وهذا يدل على أنه غير المدني .
وصحح أبو حاتم الرازي - فيما نقله عنه ابنه - كلا القولين : إدخال صهيب في إسناده ، وإسقاطه .
وفي " مسند الإمام أحمد " : أن يحيى بن الجزار لم يسمعه من ابن عباس .
والظاهر : أن ذلك من قول شعبة .
وكلام أحمد يدل على أن الصحيح دخوله في الإسناد .
وذكر الإمام أحمد هذا الحديث ، واستدل به على أن الصلاة إلى غير سترة صحيحة ، وقال : ليس هو بذاك .
يعني : من جهة إسناده ، ولعله رأى أن صهيبا هذا غير معروف ، وليس هو بأبي الصهباء البكري مولى ابن عباس ؛ فإن ذاك مدني
.
وأما الثاني : فمن طريق ابن جُرَيْج : حَدَّثَنِي عَبْد الكريم الجزري ، أن مجاهدا أخبره ، عن ابن عباس ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا والفضل على أتان ، فمررنا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وهو يصلي المكتوبة ، ليس شيء يستره ، [2/612] يحول بيننا وبينه .
خرجه البزار .
وخرج الإمام أحمد من طريق ابن أبي ذئب ، عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، قال : جئت أنا والفضل على حمار ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس في فضاء من الأرض ، فمررنا بين يديه ونحن عليه ، حتى جاوزنا عامة الصف ، فما نهانا ولا ردنا .
وشعبة هذا ، تكلم فيه .

فعلى تقدير أن يكون ابن عباس مر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي إلى غير سترة ، فإنه يحمل على أنه مر بين يديه من بعد ؛ فإنه لا يظن بالفضل وأخيه أن يمرا على حمار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بالقرب منه ، وإذا كان مرورهما بين يديه متباعدا فإنه لا يضر ، ومرورهما على هذه الحال وجوده كعدمه .
وعلى تقدير أن يكونا لم يمرا إلا بين يدي بعض الصف ، ولم يمرا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، والروايات الصحيحة إنما تدل على ذلك فمع ما علم من عادة النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته إلى العنزة في أسفاره .
وقد روي ذلك من حديث ابن عباس - أيضا .
خرجه الإمام أحمد : ثنا يزيد بن أبي حكيم : حدثني الحكم بن أبان ، قال : سمعت عكرمة يقول : قال ابن عباس قال : ركزت العنزة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات ، فصلى والحمار من وراء العنزة .
والظاهر : أنه أشار إلى مروره على الحمار بين يديه ، فيستدل بالحديث حينئذ على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه ، كما استدل به البخاري .
[2/613] وسواء كان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى سترة أو إلى غير سترة ؛ لأن قبلته كانت محفوظة عن المرور فيها ، وكان هو صلى الله عليه وسلم سترة لمن وراءه ؛ فلذلك لم يضرهم مرور الحمار بين أيديهم .
وهذا قول جمهور العلماء : إن سترة الإمام سترة لمن خلفه .
قال ابن المنذر : روي ذلك عن ابن عمر ، وبه قال النخعي ومالك والأوزاعي وأحمد . انتهى .
وروي - أيضا - عن أبي قلابة وعن الشعبي .
وروي عنه ، عن مسروق .
ولكن أنكره الإمام أحمد ، وذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن فقهاء المدينة السبعة في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل ثقة وفضل ، وهو قول الثوري .
وقد روي فيه حديث مرفوع :
خرجه الطبراني من رواية سويد بن عبد العزيز ، عن عاصم الأحول ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " سترة الإمام سترة لمن خلفه " .
ولكن لا يصح ؛ وسويد هذا ضعيف جدا
.
وقد أنكر الإمام أحمد عليه أنه روى عن حصين ، عن الشعبي ، عن مسروق أنه قال : سترة الإمام سترة لمن خلفه ، وقال : إنما هو قول الشعبي . فكيف لو سمع أنه روى ذلك بإسناد له عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟
ومنهم من قال : الإمام سترة لمن خلفه ، وهو قول طائفة من أصحاب مالك .
ومعنى كون سترة الإمام سترة لمن خلفه : أن المأمومين لا يشرع لهم أن [2/614] ينصبوا بين أيديهم سترة غير سترة إمامهم ، وأنه لا يضرهم من مر بين أيديهم إذا لم يمر بين يدي إمامهم .
ويدل على ذلك - أيضا - : ما روى هشام بن الغاز ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : هبطنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثنية أذاخر ، فحضرت الصلاة - يعني : إلى جدر - فاتخذه قبلة ونحن خلفه ، فجاءت بهيمة تمر بين يديه ، فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدر ، ومرت من ورائه .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود .
وهذا يدل على أن المرور بين الإمام وسترته محذور ، بخلاف المرور بين يدي من خلفه ، إذا كانت سترة الإمام محفوظة .
وأما جواز المرور بين يدي المأمومين إذا كانت سترة إمامهم محفوظة ففيه قولان :
أحدهما : أنه منهي عنه - أيضا - نص عليه في رواية الأثرم ، في الرجل يكون خلف الإمام وبين يديه صف ، فيكون في الصف الذي بين يديه خلل عن يساره ليس هو بحذائه ، أيمشي إليه فيسده ؟ قال : إن كان بحذائه فعل فأما أن يمشي معترضا فيؤذي الذي إلى جنبه ويمر بين يديه فلا .
وهذا يدل على أن المشي بين يدي المأمومين داخل في النهي .
ومن أصحابنا من حمل ذلك على كراهة التنزيه ، بخلاف المشي بين الإمام والمنفرد .
والكراهة قول أصحاب الشافعي - أيضا - وسيأتي عن الشافعي ما يدل عليه .
وقال سفيان : لا يعجبني ذلك .
وذكر مالك في " الموطأ " أنه بلغه ، أن ابن عمر كان يكره أن يمر بين يدي [2/615] النساء وهن يصلين .
وحمله بعضهم على كراهة المرور بين يدي صفوف النساء في مؤخر المسجد إذا صلين مع الإمام .
والقول الثاني : جوازه من غير كراهة ، وأنه غير داخل في النهي ، وقد حكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد ، إذا كان مشيه لحاجة ؛ كمشيه إلى فرجة في الصف ، أو إذا لم يجد موضعا يصلي فيه .
وهو ظاهر كلام كثير من أصحابنا ؛ فإنهم استدلوا بحديث ابن عباس على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه ، وجعلوا عدم الإنكار على ابن عباس دليلا على ذلك .
وكلام ابن عباس يدل عليه - أيضا - فإنه استدل بعدم الإنكار على الجواز .
وهو مستلزم لعدم بطلان الصلاة ، وهذا مذهب مالك وأصحابه .
ذكر مالك في " الموطأ " : " باب : الرخصة في المرور بين يدي المصلي " ، وخرج فيه حديث ابن عباس هذا ، ثم قال : بلغني أن سعد بن أبي وقاص كان يمر بين يدي بعض الصفوف والصلاة قائمة .
قال مالك : وأنا أرى ذلك واسعا ، إذا أقيمت الصلاة بعد أن يحرم الإمام ولم يجد المرء مدخلا إلى المسجد إلا بين الصفوف .
وقد ذكر أبو داود في " سننه " بعض كلام مالك ، عن القعنبي ، عنه .
وقال سفيان الثوري : إذا انتهى إلى المسجد والطريق بين أيديهم ، فإنه يمشي معترضا حتى يدخل المسجد .
وفي " تهذيب المدونة " للبرادعي : ولا بأس بالمرور بين الصفوف عرضا ، [2/616] والإمام سترة لهم ، وإن لم يكونوا إلى سترة ، وكذلك من رعف وأحدث فليخرج عرضا ، وليس عليه أن يرجع إلى عجز المسجد .
وذكر ابن عبد البر في " التمهيد " أن المأموم لا يدفع من مر بين يديه ، وقال : لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافا .
وذكر في " الاستذكار " قول مالك الذي ذكره في " الموطأ " ، وذكر أن مالكا يرخص في ذلك لمن لم يجد منه بدا ، وأن غيره لا يرى به بأسا - يعني : بكل حال ، سواء اضطر إليه أو لا - ؛ لحديث ابن عباس . قال : وقد قدمنا أن الإمام سترة لمن خلفه ، فالماشي خلفه أمام الصف كالماشي خلفه دون صف . قال : ويحتمل هذا أن يكون المار لم يجد بدا كما قال مالك . ولكن الظاهر ما قدمنا من الآثار الدالة على أن الإمام سترة لمن خلفه .
وهذا الكلام يدل على أن للعلماء اختلافا : هل الرخصة تختص بحال الضرورة أم تعم ؟
وقد حكى بعض أصحابنا رواية أخرى عن أحمد ، بأن من كان بين يديه فرجة فلا يكره له أن يمشي عرضا بين الصفوف حتى يقوم فيها .
وهذا قول ثالث بالرخصة في ذلك لحاجة إليه ، وإن لم يكن ضرورة .
وذكر البيهقي في كتابه " المعرفة " عن الشافعي في القديم ، أنه ذكر قول مالك في هذا ، واعتراض من اعترض عليه ثم أخذ في الذب عنه ، واحتج بحديث ابن عباس وغيره ، وأشار إلى أن ذلك إنما قاله في المرور بين يدي المتنفلين الذين عليهم قطع النافلة للمكتوبة ، ولا يجد الداخل طريقا غير الممر بين أيديهم .
ومعنى هذا : أنه إنما يجوز المرور للضرورة بين يدي من يصلي صلاة [2/617] مكروهة ، وهو من يتنفل بعد إقامة الصلاة ، أو يطيل في نافلته وقد أقيمت الصلاة .
ولكن أصحاب مالك حملوا كلام مالك على عمومه في حال الضرورة كما تقدم ، وهذا الكلام من الشافعي يدل على أن المأمومين لا يجوز المرور بين أيديهم إذا كانوا يقتدون بصلاة الإمام لضرورة ولا غيرها ، كما قاله أحمد في غير حال الضرورة في رواية الأثرم .
وقال أصحاب الشافعي : إذا وجد الداخل فرجة في الصف الأول ، فله أن يمر بين يدي الصف الثاني ويصف فيها ؛ لتقصير أهل الثاني بتركها .
وهذا موافق لكلام الشافعي ، حيث لم يجز المرور إلا مع تقصير المصلين ، لكنه يخصه بحال الضرورة وأصحابه لم يخصوه بذلك .
ونص الشافعي في كتاب " مختلف الحديث " على أن المرور بين يدي المصلي إلى غير سترة مباح غير مكروه ، واستدل بحديث ابن عباس هذا ، وبحديث المطلب بن أبي وداعة .
وذهبت طائفة من العلماء إلى أن سترة الإمام ليست سترة لمن خلفه من المأمومين :
فروى الجوزجاني وغيره من طريق ابن سيرين ، أنه بلغه ، أن الحكم الغفاري أم جيشا ، وأنه كان بين يديه رمح ، فمر به ما يقطع الصلاة ، فأعاد بالقوم الصلاة ، فلما انصرف ذكر ذلك له ، فقال : أولم تروا إلى ما مر بين أيدينا ؟ فأنا ومن يليني قد سترنا الرمح ، فإنما أعدت الصلاة من أجل العامة .
[2/618] قال ابن المنذر في " كتابه الكبير " : وروي عن عطاء نحوه .
وروى عمر بن شبة في كتاب " أخبار قضاة البصرة " : ثنا محمد بن حاتم : ثنا إسماعيل بن إبراهيم : ثنا يونس ؛ قال : كان موسى بن أنس يصلي بالناس في صحن المسجد ، فكان كلب يمر بين أيديهم ، فسألوا الحسن ، فقال : أما الإمام ومن كان إلى سارية ومن كان خلف الصف فلا يعيد ، ومن كان بين السواري فليعد .
وأما على تقدير أن يكون ابن عباس مر على الأتان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يصلي إلى غير سترة ، ولم ينهه عن ذلك ، فهذا يحتمل وجوها :
أحدها : أن يكون مر بين يديه من بعد ، والمار أمام المصلي إلى غير سترة عن بعد كالمار خلف سترته .
ولكن خرج الإمام أحمد من حديث الحسن العرني ، عن ابن عباس ، قال : أقبلت على حمار ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس ، حتى إذا كنت قريبا منه نزلت عنه ، وخليت عنه ، ودخلت مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته ، فما أعاد صلاته ، ولا نهاني عما صنعت .
والحسن العرني لم يسمع من ابن عباس - : قاله الإمام أحمد ، فحديثه عنه منقطع
.
والثاني : أن يحمل على أن الاستتار في الصلاة غير واجب ، وإنما هو على الاختيار ، وهذا حكاه البيهقي عن الشافعي .
ولكن يقال : فالمرور بين يدي المصلي إلى غير سترة ، إما أنه حرام ، أو مكروه ، فكيف أقر عليه ولم ينكر ؟
وقد يجاب : بأنه إذا كان مكروها ، فإنكاره غير واجب .
ولأصحابنا وجه : أن من صلى إلى غير سترة لم يكن المرور بين يديه منهيا [2/619] عنه ، إنما النهي يختص بمن صلى إلى سترة ، فينهى عن المرور بينه وبين السترة ، وهو قول ابن المنذر .
وقال أصحاب الشافعي : لا يحرم المرور بين يدي المصلي إلى غير سترة ، بل يكره .
وهل للمصلي إلى غير سترة أن يدفع المار بين يديه ؟ على وجهين لهم ، أصحهما : ليس له الدفع .
والثالث : أن يكون مرور ابن عباس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بمنى كما في رواية مالك وغيره من أصحاب الزهري ، وحكم الحرم أنه يجوز المرور فيه بين يدي المصلي دون سائر البلدان - : قاله طائفة من أصحابنا ، وستأتي هذه المسألة فيما بعد حيث بوب البخاري عليها .
وقد روي ما يخالف هذا ، وأن المار يرد بالأبطح ، فروى ابن لهيعة : حدثني حبان بن واسع ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد وأبي بشير الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم ذات يوم وامرأة بالبطحاء ، فأشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخري ، فرجعت حتى صلى ثم مرت .
خرجه الإمام أحمد .
وابن لهيعة ، حاله مشهور
.