قال :
الحديث الثاني : 494 - ثنا إسحاق : ثنا عبد الله بن نمير : ثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس من ورائه ، وكان يفعل ذلك في السفر ، فمن ثم اتخذها الأمراء


[2/620] في هذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى في فضاء من الأرض صلى إلى الحربة ، فيركزها بين يديه ، ثم يصلي إليها ، فكان يفعل ذلك في العيدين ؛ لأنه كان يصليهما بالمصلى ، ولم يكن فيه بناء ولا سترة ، وكان يفعل ذلك في أسفاره - أيضا - ؛ لأن المسافر لا يجد غالبا جدارا يستتر به ، وأكثر ما يصلي في فضاء من الأرض .
وخرج ابن ماجه من طريق الأوزاعي : أخبرني نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغدو إلى المصلى في يوم عيد ، والعنزة تحمل بين يديه ، فإذا بلغ المصلى نصبت بين يديه ، فيصلي إليها ، وذلك أن المصلى كان فضاء ليس شيء يستتر به .
وخرج البخاري أوله دون آخره .
وقال أبو نعيم : ثنا سفيان ، عن إسماعيل بن أمية ، عن مكحول ، قال : كانت تحمل الحربة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه كان يصلي إليها .
وما ذكر في حديث ابن عمر من اتخاذ الأمراء لها ، فالأمراء الذين عناهم في زمنه إنما اتخذوها تعاظما وكبرا ، لم يتخذوها لأجل الصلاة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخذها للصلاة .
وفي الحديث : دليل على استحباب السترة للمصلي وإن كان في فضاء ، وهو قول الأكثرين .
ورخص طائفة من العلماء لمن صلى في فضاء أن يصلي إلى غير سترة ، منهم : الحسن وعروة .
وكان القاسم وسالم يصليان في السفر إلى غير سترة . وروي عن الإمام أحمد نحوه - : نقله عنه الأثرم وغيره . وهو - أيضا - مذهب مالك .
[2/621] قال صاحب " تهذيب المدونة " : ولا يصلي في الحضر إلا إلى سترة ، ويصلي في السفر أو بموضع يأمن فيه مرور شيء بين يديه إلى غير سترة .
ويستدل لذلك بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى إلى غير جدار ، كما تقدم في رواية مالك لحديث ابن عباس ، وأن الشافعي وغيره فسروه بصلاته إلى غير سترة بالكلية .
وقد قيل : إن فائدة السترة منع المرور بين يدي المصلي .
وقيل : كف النظر عما وراء السترة .
والأول أظهر وأشبه بظواهر النصوص ، والعنزة ونحوها لا تكف النظر .
وحيث تستحب الصلاة إلى السترة ، فليس ذلك على الوجوب عند الأكثرين ، وهو المشهور عند أصحاب الإمام أحمد .
ومنهم من قال : هي واجبة ، لكن لا تبطل الصلاة بتركها حتى يوجد المرور المبطل للصلاة الذي لأجله شرعت السترة .
وقال الأثرم : حديث ابن عباس في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى غير سترة إن كان محفوظا فإنما وجهه إذا لم يجد سترة أجزأه .
فحمله على حالة تعذر وجود السترة ، وفيه نظر ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتعذر عليه تحصيل ما يستتر به ، وهو بمنى أو بعرفة ، ومعه الخلق العظيم من المسلمين .
ورخصت طائفة في الصلاة إلى غير سترة مطلقا ؛ روى جابر ، عن الشعبي ، قال : لا بأس أن يصلي إلى غير سترة .
وقال ابن سيرين قلت لعبيدة : ما يستر المصلي ، وما يقطع الصلاة ؟ قال : يسترها التقوى ويقطعها الفجور . قال : فذكرته لشريح ، فقال : أطيب لنفسك أن تجعل بين يديك شيئا .
[2/622] خرجهما وكيع .
وروى بإسناده ، عن ابن مسعود ، قال : من الجفاء أن يصلي الرجل إلى غير سترة .