[2/623]
91 - باب
قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة ؟
496 - حدثنا عمرو بن زرارة : ثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل ، قال : كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر الشاة .
497 - حدثنا المكي بن إبراهيم : ثنا يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة ، قال : كان جدار المسجد عند المنبر ، ما كادت الشاة تجوزها .


هذا الحديث الثاني أحد ثلاثيات البخاري ، وهي الأحاديث التي بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثلاثة رجال .
وحديث سهل يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قريبا من الجدار بحيث لا يكون بين موقفه وبين الجدار غير قدر ما تمر فيه الشاة .
وأما حديث سلمة بن الأكوع ، فتخريج البخاري له في هذا الباب يدل على أنه فهم منه أن المنبر كان بإزاء موقف النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته أو متقدما عليه ، متنحيا عن جدار قبلة المسجد ، وبينهما خلل لا تكاد تجوز منه الشاة .
وقد قيل : إنه يحتمل أن المراد به : أنه كان بين المنبر وبين جدار المسجد الغربي خلل يسير ، لا تكاد الشاة تجوز منه ، وأنه ليس المراد به جدار القبلة .
لكن قد خرج البخاري هذا الحديث في كتاب " الاعتصام " بلفظ صريح في المعنى الذي فهمه منه هاهنا ، عن ابن أبي مريم ، عن أبي غسان ، عن أبي حازم ، عن سهل ، أنه كان بين جدار المسجد مما يلي القبلة وبين المنبر ممر الشاة .
وخرج الإمام أحمد ، عن حماد بن مسعدة ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن [2/624] سلمة ، قال : كان بين المنبر والقبلة قدر ممر شاة .
وفي القرب من السترة أحاديث أخر :
فمنها : ما خرجه البخاري في باب مفرد بعد هذا من حديث موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن عبد الله كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل ، وجعل الباب قبل ظهره يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريب من ثلاثة أذرع صلى به ، يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه .
ومنها : ما ورد في الأمر بالدنو من السترة من غير تقدير بشيء :
فروى نافع بن جبير ، عن سهل بن أبي حثمة ، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها ، لا يقطع الشيطان عليه صلاته " .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في " صحيحه " .
وذكر أبو داود في إسناده اختلافا ، وكذلك ذكره البخاري في " تاريخه " .
وقد روى - أيضا - عن نافع بن جبير - مرسلا ، وفيه : " فإن الشيطان يمر بينه وبينها " .
وقال العقيلي : حديث سهل هذا ثابت
.
وقال الميموني : قلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد - : كيف إسناد حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا صلى أحدكم فليدن من سترته " ؟ قال : صالح ، ليس بإسناده بأس .
وروى ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة ، وليدن منها " .
[2/625] خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه .
وروي هذا المتن من وجوه أخر عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وروى إسحاق بن سويد ، عن عمر ، أنه رأى ، رجلا يصلي متباعدا عن القبلة ، فقال : تقدم ، لا يفسد الشيطان عليك صلاتك ، أما إني لم أقل إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
خرجه الإسماعيلي وغيره .
وهو منقطع ؛ فإن إسحاق لم يسمع من عمر .
وقد روي عنه مرسلا
.
وروي عنه ، عمن حدثه ، عن عمر .
وروى مصعب بن ثابت ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرهقوا القبلة " .
خرجه البزار والأثرم .
وقال الدارقطني - فيما نقله عنه البرقاني - : لم يروه إلا مصعب بن ثابت ، وليس بالقوي
.
ومعنى إرهاق القبلة مضايقتها ومزاحمتها والدنو منها - : فسره ابن قتيبة وغيره ، وتوقف أحمد في تفسيره .
وخرجه الجوزجاني ، ولفظه : " إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة ، وليقرب منها " .
وفي الباب أحاديث أخر مسندة ومرسلة :
[2/626] وروى وكيع بإسناده عن ابن مسعود ، قال : يصلي وبينه وبين القبلة مقدار ممر رجل .
وعنه : قال : لا يصلين أحدكم وبينه وبين القبلة فجوة .
وسئل الحسن : هل كانوا يرقبون في البعد شيئا ؟ قال : لا أعلمه .
وقال ابن المنذر : كان عبد الله بن معقل يجعل بينه وبين سترته ستة أذرع .
وقال عطاء : أقل ما يكفيك ثلاثة أذرع ، وبه قال الشافعي .
وقال مهنا : سألت أحمد عن الرجل يصلي ، كم يكون بينه وبين القبلة ؟ قال : يدنو من القبلة ما استطاع ، ثم قال : إن ابن عمر قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة ، فكان بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع .
وقال الأثرم : سئل أبو عبد الله عن مقدار ما بين المصلي وبين السارية ؟ فذكر حديث ابن عمر هذا . قيل له : يكون بينه وبين الجدار إذا سجد شبر ؟ قال : لا أدري ما شبر .
قال الأثرم : ورأيته يتطوع وبينه وبين القبلة كثير ، أذرع ثلاثة أو أكثر .
قال ابن عبد البر : ولم يحد مالك في ذلك حدا .
ثم أشار ابن عبد البر إلى أن الآخذين بحديث سهل بن سعد الذي خرجه البخاري في قدر ممر الشاة أولى .
وقال في موضع آخر : حديث ابن عمر أصح إسنادا من حديث سهل ، وكلاهما حسن .

قلت : ولو جمع بين حديث سهل وابن عمر فأخذ بحديث ابن عمر في النافلة وحديث سهل في الفريضة لكان له وجه ؛ فإن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة [2/627] كانت تطوعا ، وسهل إنما أخبر عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده الذي كان يصلي فيه بالناس الفرائض .
وقال القرطبي : قدره بعض الناس بقدر شبر .
قلت : هذا فيما يفصل عن محل سجوده ، لا عن محل قيامه ، كما سئل عنه الإمام أحمد فيما سبق .
قال : ولم أحد في ذلك حدا ، إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد ، ويتمكن من دفع من يمر بين يديه .
قال : وقد حمل بعض شيوخنا حديث ممر الشاة على ما إذا كان قائما ، وحديث ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد .
كذا وجدته ، وينبغي أن يكون بالعكس ؛ فإن الراكع والساجد يدنوان من السترة أكثر من القائم كما لا يخفى .
وذكر صاحب " المهذب " من الشافعية : أن ممر العنز قدر ثلاثة أذرع ، فعلى قوله يتحد معنى حديث سهل وحديث ابن عمر ، وهو بعيد جدا .
ومتى صلى إلى سترة وتباعد عنها ، فقال أصحاب الشافعي : هو كما لو صلى إلى غير سترة ، في المرور بين يديه ودفعه للمار ، على ما سبق حكاية مذهبهم .