[2/629]
93 - باب
الصلاة إلى العنزة
499 - حدثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا عون بن أبي جحيفة ، قال : سمعت أبي ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة ، فأتي بوضوء فتوضأ ، فصلى بنا الظهر والعصر ، وبين يديه عنزة ، والمرأة والحمار يمرون من ورائها .
500 - حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع ، ثنا شاذان ، عن شعبة ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام ، ومعنا عكازة أو عصى أو عنزة ، ومعنا إداوة ، فإذا فرغ من حاجته ناولناه الإداوة

.
" شاذان " ، هو : أسود بن عامر ، وشاذان لقب له .
وحديث أنس قد خرجه في " كتاب الوضوء " ، في " أبواب الاستنجاء " ، وذكرنا هناك فائدة حمل العنزة .
وظاهر تبويب البخاري يدل على التفريق بين العنزة والحربة ، وأكثر العلماء فسروا العنزة بالحربة .
وقال أبو عبيد : العنزة عصا قدر نصف الرمح أو أكثر ، لها سنان .
وقد خرج مسلم حديث ابن عمر الذي خرجه البخاري في الباب الماضي من حديث عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تركز له العنزة ويصلي إليها .
قال عبيد الله : وهي الحربة .
[2/630] وقد فرق قوم بين العنزة والحربة ، فعن الأصمعي قال : العنزة : ما دور نصله ، والحربة : العريضة النصل .
وأشار بعضهم إلى عكس ذلك .
وصلاته صلى الله عليه وسلم إلى العنزة والحربة يستفاد منه : أن السترة يستحب أن يكون عرضها كعرض الرمح ونحوه ، وطولها ذراع فما فوقه .
قال ابن المنذر : جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ، ولا يبالي من مر وراء ذلك " .
وقال أنس وأبو هريرة بذلك في الطول .
وقال الأوزاعي : يجزئ السهم والسوط والسيف .
وقال عطاء : قدر مؤخرة الرحل يكون حالقها على وجه الأرض ذراعا .
وبه قال الثوري وأصحاب الرأي .
وقال مالك والشافعي : قدر عظم الذراع فصاعدا .
وقال قتادة : ذراعا وشبرا .
وقال الأوزاعي : يستر المصلي مثل مؤخرة الرحل ، وبه قال الثوري . انتهى .
وسئل أبو العالية عن السترة ؟ فقال : طول الرحل ، والعرض ما عرض أحب إلي .
وقال ابن عبد البر : قال مالك : أقل ما يجزئ المصلي في السترة غلظ [2/631] الرمح ، وكذلك السوط إن كان قائما ، وارتفاعها : قدر عظم الذراع ، هذا أقل ما يجزئ عنده ، ولا تفسد عنده صلاة من صلى إلى غير سترة ، وإن كان ذلك مكروها له .
وقول الشافعي في ذلك كقول مالك .
وقال الثوري وأبو حنيفة : أقل السترة : قدر مؤخرة الرحل ، ويكون ارتفاعها على ظهر الأرض ذراعا ، وهو قول عطاء .
وقال قتادة : ذراع وشبر .
وقال الأوزاعي : قدر مؤخرة الرحل ، ولم يحد ذراعا ، ولا عظم ذراع ، ولا غير ذلك ، وقال : يجزئ السهم والسوط والسيف - يعني في الغلظ . انتهى .
وفي " تهذيب المدونة " للبرادعي المالكي : ويستره قدر مؤخرة الرحل ، وهو نحو من عظم الذراع . قال مالك : وإني لأحب أن يكون في جلة الرمح أو الحربة ، وليس السوط بسترة . انتهى .
وأما مذهب الشافعي وأصحابه ، فيستحب عندهم أن يكون ارتفاع السترة قدر مؤخرة الرحل ، واختلفوا في تقديرها ، فالمشهور عندهم : أنها نحو ثلثي ذراع فصاعدا . وقيل : ذراع ، وأما عرضها فلا حد له عندهم ، بل يكفي الغليظ والدقيق .
وأما مذهب أحمد وأصحابه ، فنص أحمد على أن السترة قدر مؤخرة الرحل ، وأن مؤخرة الرحل ذراع - : نقله عنه أكثر أصحابه .
ونقل ابن القاسم ، عنه في قدر ما يستر المصلي ، قال : قدر عظم الذراع من الأشياء ، وهو كمؤخرة الرحل .
[2/632] وهذا مثل قول من قدره بنحو ثلثي ذراع ؛ لأن ذَلِكَ هُوَ طول عظم ذراع الإنسان .
وأما عرضها فلا حد له عند أصحابنا ، إلا أنه كلما غلظ كان أولى .
وقال إسحاق : قدر مؤخرة الرحل ذراع .
وقد خرج البخاري حديث الصلاة إلى مؤخرة الرحل من حديث ابن عمر ، وسيأتي قريبا - إن شاء الله .
وخرج مسلم من حديث سماك ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه طلحة بن عبيد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ، ولا يبالي بمن مر وراء ذلك " .
قال علي ابن المديني : إسناده حسن
.
وخرج مسلم - أيضا - من حديث أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي ؟ فقال : " كمؤخرة الرحل " .
ومن حديث عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل " .
وخرج الإمام أحمد من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يستر الرجل في صلاته السهم ، وإذا صلى أحدكم فليستتر بسهم " .
[2/633] وفي رواية له - أيضا - بهذا الإسناد : " ليستتر أحدكم في صلاته ، ولو بسهم " .
وخرجه الحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم .

وخرج الحاكم - أيضا - من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " يجزئ من السترة مثل مؤخرة الرحل ، ولو بدقة شعرة " .
وزعم أنه صحيح على شرطهما ، وليس كذلك ؛ فإن هذا تفرد برفعه محمد بن القاسم الأسدي ، عن ثور بن يزيد ، عن يزيد بن يزيد بن جابر ، عن مكحول ، عن يزيد بن جابر ، عن أبي هريرة .
والأسدي ، ضعيف جدا .
قال الدارقطني : غيره لا يرفعه يعني : أنه يقفه على أبي هريرة .
وسئل ابن معين عن حديث أبي هريرة الموقوف . فقال : هو مستقيم الإسناد
.
وروى مسعر ، عن الوليد بن أبي مالك ، عن أبي عبيد الله ، عن أبي هريرة : يجزئ المصلي مثل مؤخرة الرحل في مثل جلة السوط .
كذا رواه الحفاظ عن مسعر ، وهو المحفوظ : قَالَه الدارقطني وغيره .
[2/634] وأبو عُبَيْدِ الله ، هُوَ : مُسْلِم بْن مشكم صاحب معاذ - : قاله يعقوب بن سفيان وابن ناجية .
والوليد ومسلم شاميان ثقتان
.
ورواه أبو هشام الرفاعي ، عن حفص بن غياث ، عن مسعر فرفعه .
خرجه الإسماعيلي .
وأبو هشام ليس بالقوي .

وسنذكر - إن شاء الله - حديث الصلاة إلى العصا .
وهذا كله مما استدل به على مالك في قوله : إن ما كان دون عرض الرمح لا تحصل به سنة الاستتار .
وعن أبي العالية ، قال : يستر المصلي كحرف القلم .
خرجه وكيع .
وأما إذا لم يجد ما يصلي إليه ، إلا ما كان دون مؤخرة الرحل في الانتصاب ، مثل حجر أو عصا لا يستطيع نصبها ، فهل يضعها بين يديه ويصلي إليها ، أم لا ؟ فِيهِ قولان :
أحدهما : أنه يصلي إلى ذَلِكَ إذا لَمْ يجد غيره ، وحكاه ابن المنذر عَن سَعِيد بن جبير والأوزاعي وأحمد ، وَهُوَ قَوْلِ إسحاق - أيضا .
وروى ابن أبي شيبة في " كتابه " عن الشعبي ونافع بن جبير نحوه .
وقال طائفة من الشافعية : إذا لم يجد شيئا شاخصا بسط مصلى .
[2/635] وروي عن أبي سعيد : كنا نستتر بالسهم والحجر في الصلاة .
ذكره ابن المنذر .
والثاني : تكره الصلاة إلى ذلك .
قال ابن المنذر : كره النخعي الصلاة إلى عصا يعرضها .
وقال الثوري : الخط أحب إلي من هذه الحجارة التي في الطريق إذا لم يكن ذراعا .
وحكى بعض من صنف في مذهب سفيان : أن سفيان سئل : هل يجزئ الحبل الممدود المعترض ؟ قال : لا يغني من السترة .
وروى حرب بإسناده ، عن النخعي ، أنه سئل عن الرجل يصلي يستتر بحبل معترضا ؟ قال : لو كان الحبل بالطول كان أحب إلي .
وهذا يدل على أن الصلاة إلى المستطيل أولى من الصلاة إلى المعترض عنده ؛ لأن المستطيل أشبه بالسترة القائمة .
والأكثرون ، كالأوزاعي والثوري وأحمد يرون أن المعترض أولى ؛ ولهذا رجحوا في الخط أن يكون معترضا .
ولو صلى وبين يديه ما يمنع الاستطراق من نهر أو نحوه ، فهل هو سترة ؟
قالت طائفة : هو سترة ، منهم الحسن والأوزاعي .
وروي ذلك عن ابن عمر بإسناد ضعيف
.
خرجه كله حرب الكرماني .
وقال : سألت إسحاق عن ذلك ، فقال : إذا كان نهرا تجري فيه السفن فلا يصلي ، وإن لم يكن تجري فيه فهو أسهل .
[2/636] يشير إسحاق إلى أنه إذا كان تجري فيه السفن فهو طريق مسلوك ، فلا يصلي إليه بدون سترة تحول بينه وبينه .
وأيضا ؛ فالصلاة إلى النهر الجاري مما يلهي المصلي ؛ فإنه مما يستحسن النظر إليه ، وقد سبق كراهة الصلاة إلى ما يلهي .
وقال سفيان : إذا صلى على حائط قدر ثلاثة أذرع أو نحو ذلك فأرجو أن يكون سترة ما لم يكن طريقا .
وسئل النخعي عن الصلاة على السطح ، والناس يمرون بين يديه ؟ قال : يتأخر حتى لا يراهم .
ونقل الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز مثل قول النخعي .
قال الوليد : وقال مالك : إن كان ارتفاع السطح مثل مؤخرة الرحل فأكثر من ذلك فصل .
وأما الخط في الأرض إذا لم يجد ما يستتر به ففيه قولان :
أحدهما : أنه يحصل به الاستتار - أيضا - وهو قول أبي هريرة ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والأوزاعي ، والثوري ، والشافعي في أحد قوليه - ورجحه كثير من أصحابه أو أكثرهم - وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور .
والثاني : أنه ليس بسترة ، وهو قول مالك ، والنخعي ، والليث ، وأبي حنيفة ، والشافعي في الجديد .
وقال مالك : الخط باطل .
واستدل من قال بالخط بما روى إسماعيل بن أمية ، عن أبي محمد عمرو بن حريث العذري ، عن جده ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا ، فإن لم يجد فلينصب عصا ، فإن لم يجد [2/637] عصا فليخط خطا ، ثم لا يضره ما مر بين يديه " .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في " صحيحه " .
وحكي عن ابن المديني أنه صححه .
وحكى ابن عبد البر عن أحمد وعلي ابن المديني أنهما صححاه .
وأحمد لم يعرف عنه التصريح بصحته ، إنما مذهبه العمل بالخط ، وقد يكون اعتمد على الآثار الموقوفة لا على الحديث المرفوع .
فإنه قال في رواية ابن القاسم : الحديث في الخط ضعيف .
وكان الشافعي يقول بالخط ، ثم توقف فيه ، وقال : إلا أن يكون فيه حديث يثبت .
وهذا يدل على أنه توقف في ثبوته .
وقال ابن عيينة لم نجد شيئا نشد به هذا الحديث ، ولم يجئ إلا من هذا الوجه .
وذكر أن هذا الشيخ الذي روى عنه إسماعيل بن أمية سئل عنه فخلط فيه .
ذكر ذلك أبو داود في " سننه " بإسناده عن ابن عيينة .
وقد اختلف على إسماعيل في تسمية شيخه ، وفيمن رواه عنه شيخه :
فقيل : عنه كما ذكرنا .
وقيل : عنه ، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث .
وقيل : عنه ، عن أبي عمرو بن حريث .
وأما الاختلاف فيمن رواه عنه شيخه .
[2/638] فقيل : عن إسماعيل ، عن شيخه هذا - على اختلاف في تسميته كما تقدم - عن أبيه ، عن أبي هريرة .
وقيل : عنه ، عن شيخه هذا ، عن جده ، عن أبي هريرة .
وقيل : عنه ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .
وقيل : عنه ، عن شيخه هذا ، عن أبي هريرة - بغير واسطة بينهما .
وقال أبو زرعة : الصحيح : عن إسماعيل ، عن أبي عمرو بن حريث ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .
ونقل الغلابي في " تاريخه " عن يحيى بن معين ، أنه قال : الصحيح : إسماعيل بن أمية ، عن جده حريث - وهو : أبو أمية ، وهو من عذرة .
قال : ومن قال فيه : عمرو بن حريث فقد أخطأ .
وهذا الكلام يفيد شيئين :
أحدهما : أن إسماعيل بن أمية هذا هو ابن حريث ، وهو يروي هذا الحديث عن جده حريث العذري ، عن أبي هريرة .
وكذا رواه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن إسماعيل ، عن حريث بن عمار عن أبي هريرة .
والثاني : أن إسماعيل هذا ليس هو ابن أمية القرشي المشهور ، بل هو : ابن أمية بن حريث العذري .
وهذا غريب جدا ، ولا أعلم أحدا ذكر إسماعيل هذا ، وهذا الحديث قد رواه الأعيان عن إسماعيل ، منهم : الثوري وابن جريج وابن عيينة ، وإنما يروي هؤلاء عن إسماعيل بن أمية الأموي المكي الثقة المشهور ، ويمتنع أن يروي هؤلاء كلهم عن رجل لا يعرف ، ولا يذكر اسمه في تاريخ ولا غيره .
[2/639] ولكن هذا الرجل الذي روى عنه إسماعيل وأبوه وجده قد قيل : إنهم مجهولون .
وقد اختلف - أيضا - في رفع هذا الحديث ووقفه على أبي هريرة ، لكنِ الأكثرون رفعوه .
وقال الدارقطني : رفعه عن إسماعيل بن أمية صحيح
.
وقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر :
روى وكيع في " كتابه " ، عن أبي مالك ، عن أيوب بن موسى ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : إذا صلى أحدكم فلم يجد ما يستره فليخط خطا .
وقد روي عن الأوزاعي ، عن أيوب بن موسى ، عن أبي سلمة - مرفوعا .
وقيل : عن الأوزاعي ، عن رجل من أهل المدينة ، عن أبي هريرة - موقوفا .
قال الدارقطني : والحديث لا يثبت .

قلت : وقد روي في الخط بين يدي المصلي حديث مرفوع من حديث أنس .
خرجه حمزة السهمي في " تاريخ إستراباذ " .
وإسناده مجهول ساقط بمرة .

واختلف القائلون بالخط : هل يخط طولا ، أو عرضا كالهلال ؟ على قولين :
قال عطاء والثوري وأحمد وإسحاق : يكون عرضا .
وقال عمرو بن قيس وغيره : يكون طولا .
وأجازه أحمد على كل حال ، ولكن المعترض عنده أولى .