[2/644] 95 - باب
الصلاة إلى الأسطوانة
وقال عمر : المصلون أحق بالسواري من المتحدثين إليها .
ورأى ابن عمر رجلا يصلي بين أسطوانتين ، فأدناه إلى سارية ، فقال : صل إليها .
خرج فيه حديثين :
الحديث الأول :
502 - ثنا المكي : ثنا يزيد بن أبي عبيد ، قال : كنت آتي مع سلمة بن الأكوع ، فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف ، فقلت : يا أبا مسلم ، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة ؟ قال : فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها
.


هذا - أيضا - من ثلاثيات البخاري .
والأسطوانة : السارية .
وهذه الأسطوانة الظاهر أنها من أسطوان المسجد القديم الذِي يسمى الروضة ، وفي الروضة أسطوانتان ، كل منهما يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إليها :
الأسطوانة المخلقة ، وتعرف بأسطوانة المهاجرين ؛ لأن أكابرهم كانوا يجلسون إليها ويصلون عندها ، وتسمى : أسطوان عائشة .
ويقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إليها المكتوبة بعد تحويل القبلة بضعة عشر يوما ، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم .
وهي الأسطوانة الثالثة من المنبر ، والثالثة من القبلة ، والثالثة من القبر [2/645] الشريف ، وهي متوسطة في الروضة .
وأسطوانة التوبة ، وهي التي ربط فيها أبو لبابة نفسه حتى تاب الله عليه .
وقد قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف في رمضان طرح له فراشه ، ووضع سريره وراءها .
وقد روي عن عمر مولى غفرة ومحمد بن كعب ، أن أكثر نوافل النبي صلى الله عليه وسلم كانت عندها .
وهي الأسطوانة الثانية من القبر الشريف ، والثالثة من القبلة ، والرابعة من المنبر .
وفي الحديث : دليل على أنه لا بأس أن يلزم المصلي مكانا معينا من المسجد يصلي فيه تطوعا .
وقد ورد في رواية التصريح بأن هذه الصلاة كانت تطوعا .
خرجه ابن ماجه ، ولفظ حديثه : أن سلمة كان يأتي إلى سبحة الضحى فيعمد إلى الأسطوانة دون المصحف ، فيصلي قريبا منها ، فأقول له : ألا تصلي هاهنا ، وأشير إلى بعض نواحي المسجد ، فيقول : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى هذا المقام .
وقوله : " قريبا منها " قد يحمل على أنه كان ينحرف عنها في صلاته ، ولا يستقبلها استقبالا .
وخرج البزار ، من رواية يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن صفوان ، قال : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من البيت سألت من كان معه : أين [2/646] صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : صلى ركعتين عند السارية الوسطى ، عن يمينها .
ويزيد بن أبي زياد ليس بالحافظ .
وروى عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، سأل بلالا : أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم - يعني : في الكعبة - ؟ قَالَ : فأشار لَهُ بلال إلى السارية الثانية عِنْدَ الباب . قال : صلى عن يمينها ، تقدم عنها شيئا .
وعبد العزيز - أيضا - ليس بالحافظ .

وقد صرح أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم بأنه يستحب لمن صلى إلى سترة منصوبة أن ينحرف عنها ولا يستقبلها .
وصرح بذلك من أصحابنا : أبو بكر عبد العزيز وابن بطة والقاضي أبو يعلى وأصحابه .
وأخذوه من نص الإمام أحمد على أن الإمام يقوم عن يمين طاق المحراب .
وكذا قال النخعي .
واستدلوا بما روى علي بن عياش ، عن الوليد بن كامل ، عن المهلب بن حجر البهراني ، عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود ، عن أبيها : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى عود ولا إلى عمود ولا إلى شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ، ولا يصمد له صمدا .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود .
وخرجه الإمام أحمد - أيضا من رواية بقية بن الوليد ، عن الوليد بن كامل ، عن حجر - أو ابن حجر - بن المهلب ، عن ضبيعة بنت المقداد بن معديكرب ، عن أبيها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى إلى عمود أو خشبة أو شبه ذلك لا يجعله [2/647] نصب عينيه ، ولكن يجعله على حاجبه الأيسر .
ولعل هذه الرواية أشبه : وكلام ابن معين وأبي حاتم الرازي يشهد له .
والشاميون كانوا يسمون المقدام بن معديكرب : المقداد ، ولا ينسبونه - أحيانا ، فيظن من سمعه غير منسوب أنه ابن الأسود ، وإنما هو ابن معديكرب وقد وقع هذا الاختلاف لهم في غير حديث من رواياتهم .
والمهلب بن حجر شيخ ليس بالمشهور .
والوليد ، قال أبو حاتم : هو شيخ . وقال البخاري : عنده عجائب
.
قال القرطبي : لعل هذا كَانَ أول الإسلام ؛ لقرب العهد بإلف عبادة الحجارة والأصنام ، حتى تظهر المخالفة في استقبال السترة لما كانوا عليه من استقبالهم تلك المعبودات . انتهى .
وقد كره مالك أن يصلي إلى حجر في الطريق ، فأما إلى حجارة كثيرة فجائز .
ذكره في " تهذيب المدونة " .
وقد ورد النهي عن أن يوطن الرجل له مكانا في المسجد يصلي فيه : من رواية تميم بن محمود ، عن عبد الرحمن بن شبل ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب ، وافتراش السبع ، وأن يوطن الرجل المكان الذي في المسجد كما يوطن البعير .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .
وفي إسناده اختلاف كثير .
وتميم بن محمود ، قال البخاري : في حديثه نظر
.
وقد حمل أصحابنا حديث النهي على الصلاة المفروضة ، وحديث الرخصة [2/648] على الصلاة النافلة .
وكان للإمام أحمد مكان يقوم فيه في الصلاة المكتوبة خلف الإمام ، فتأخر يومًا فنحاه الناس وتركوه ، فجاء بعد ذلك فقام في طرف الصف ولم يقم فيه ، وقال : قد جاء أنه يكره أن يوطن الرجل مكانه .