باب ما يشتهى من اللحم يوم النحر

أي هذا باب في بيان ما يشتهى ، كلمة "ما" يجوز أن تكون موصولة ، ويجوز أن تكون مصدرية ، وذلك لأن العادة بين الناس الالتذاذ بأكل اللحم ، وقد قال الله تعالى : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ومن اشتهى اللحم يوم النحر لا حرج عليه ، ولا يتوجه عليه ما قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين لقي جابر بن عبد الله ، ومعه حمال لحم بدرهم ، فقال له : ما هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين قرمنا إلى اللحم ، فقال له : أين تذهب هذه الآية أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ؛ لأن يوم النحر مخصوص بأكل اللحم ، وأما في غير زمن النحر فأكله مباح إلا أن السلف كانوا لا يواظبون على أكله دائما ؛ لأن للحم ضراوة كضراوة الخمر .
5 - حدثنا صدقة ، أخبرنا ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أنس بن مالك قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر : من كان ذبح قبل الصلاة فليعد ، فقام رجل فقال : يا رسول الله ، إن هذا يوم يشتهى فيه اللحم ، وذكر جيرانه ، وعندي جذعة خير من شاتي لحم ، فرخص له في ذلك ، فلا أدري أبلغت الرخصة من سواه أم لا ، ثم انكفأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى كبشين فذبحهما ، وقام الناس إلى غنيمة فتوزعوها ، أو قال : فتجزعوها .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، وصدقة هو ابن الفضل ، وابن علية هو إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية اسم أمه ، وأيوب هو السختياني ، وابن سيرين محمد .
والحديث مضى في كتاب العيدين في باب الأكل يوم النحر .
قوله ( يوم النحر ) أي قال في يوم النحر .
قوله ( فقام رجل ) هو أبو بردة بن نيار كما في حديث البراء رضي الله تعالى عنه .
قوله ( وذكر جيرانه ) أي ذكر احتياج جيرانه وفقرهم ، كأنه يريد به عذره في تقديم الذبح على الصلاة ، وفي رواية مسلم : وإني عجلت فيه نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني وأهل داري .
قوله ( وعندي جذعة ) هي جذعة المعز .
قوله ( خير من شاتي لحم ) أي أطيب لحما وأنفع لسمنها ونفاستها .
قوله ( في ذلك ) أي في التضحية بتلك الجذعة من المعز .
قوله ( فلا أدري ) كلام أنس ، إنما قال : لا أدري ؛ لأنه لم يبلغه ما قال النبي صلى الله عليه وسلم : لن تجزي عن أحد بعدك .
قوله ( من سواه ) منصوب بقوله أبلغت .
قوله ( ثم انكفأ ) بالهمز أي مال وانعطف ، من كفأت الإناء إذا أملته ، والمراد أنه رجع من مكان الخطبة إلى مكان الذبح .
قوله ( غنيمة ) تصغير غنم .
قوله ( فتوزعوها ) أي فتفرقوها ، والتوزيع التفرقة .
قوله ( أو قال : فتجزعوها ) شك من الراوي ، بالجيم والزاي من الجزع وهو القطع ، أي اقتسموها حصصا ، وليس المراد أنهم اقتسموها بعد الذبح ، فأخذ كل واحد قطعة من اللحم ، وإنما المراد أخذ حصة من الغنم ، والقطعة تطلق على الحصة من كل شيء .