باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء

أي هذا باب في بيان ما إذا بعث الرجل بهديه ، وهو ما يهدى إلى الحرم ليذبح - لم يحرم عليه شيء من الأمور المحرمة على المحرم ، وقد ذكرنا مباحثه في كتاب الحج .
22 – حدثنا أحمد بن محمد ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا إسماعيل ، عن الشعبي ، عن مسروق أنه أتى عائشة فقال لها : يا أم المؤمنين ، إن رجلا يبعث بالهدي إلى الكعبة ويجلس في المصر فيوصي أن تقلد بدنته ، فلا يزال من ذلك اليوم محرما حتى يحل الناس ، قال : فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب ، فقالت : لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول - صلى الله عليه وسلم - فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس .

مطابقته للترجمة في قوله ( فما يحرم عليه .. إلى آخره ) وأحمد بن محمد بن موسى يقال له مردويه السمسار المروزي ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، وإسماعيل هو ابن أبي خالد .
والحديث مضى في الحج في باب تقليد الغنم ، فإنه أخرجه هناك بأخصر منه ، عن أبي نعيم ، عن زكريا ، عن عامر ، عن مسروق ، عن عائشة ، وقد مضى أيضا عن عمرة ، عن عائشة ، وعن القاسم ، عن عائشة ، وعن [21/158] الأسود ، عن عائشة ، الكل في الحج ، وقد مضى الكلام فيه مبسوطا .
قوله ( أن تقلد ) على صيغة المجهول من التقليد ، وهو أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي .
قوله ( بدنته ) هي ناقة تنحر بمكة .
قوله ( قال فسمعت ) أي : قال مسروق ، فسمعت تصفيقها ، أي تصفيق عائشة ، وهو ضرب إحدى اليدين على الأخرى ليسمع لها صوت ، وإنما صفقت عائشة إما تعجبا من ذلك ، وإما تأسفا على وقوع ذلك .
وفي هذا الحديث رد على من قال : إن من بعث بهديه إلى الحرم لزمه الإحرام إذا قلده ، ويجتنب ما يجتنبه الحاج حتى ينحر هديه ، وروي هذا عن ابن عباس ، وابن عمر ، وبه قال عطاء بن أبي رباح ، وأئمة الفتوى على خلافه ، وقال ابن بطال : هذا الحديث يرد ما روي عن أم سلمة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من رأى منكم هلال ذي الحجة ، وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي . رواه مسلم في صحيحه مرفوعا ، وبه قال سعيد بن المسيب ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال الليث : قد جاء هذا الحديث ، وأكثر الناس على خلافه ، وقال الطحاوي : حديث عائشة أحسن مجيئا من حديث أم سلمة ؛ لأنه قد جاء مجيئا متواترا ، وحديث أم سلمة قد طعن في إسناده ، فقيل : إنه موقوف على أم سلمة ، ولم يرفعه ، وفي التوضيح : ذهب إليه الشافعي ، وأبو ثور ، وأهل الظاهر ، فمن دخل عليه عشر ذي الحجة ، وأراد أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من أظفاره شيئا ، ونقل ابن المنذر ، عن مالك ، والشافعي : أنهما كانا يرخصان في أخذ الشعر والأظفار لمن أراد أن يضحي ما لم يحرم ، غير أنهما يستحبان الوقوف عن ذلك عند دخول العشر إذا أراد أن يضحي ، ورأى الشافعي أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر اختيار .