[1/236] 44 - بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ
عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : وَإِيَّاكَ وَاللَّوَّ ، فَإِنَّهَا تَفْتَحُ
عَمَلَ الشَّيْطَانِ
259 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : { الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَلَا تَعْجِزْ ، فَإِنْ فَاتَكَ شَيْءٌ فَقُلْ : قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، وَإِيَّاكَ وَاللَّوَّ ؛ فَإِنَّهَا تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ } .
فَتَأَمَّلْنَا إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ هَلْ هُوَ مَوْصُولٌ أَوْ قَدْ دَخَلَهُ تَدْلِيسٌ مِنِ ابْنِ عَجْلَانَ أَتَاهُ بِهِ عَنِ الْأَعْرَجِ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْهُ بِغَيْرِ سَمَاعٍ مِنْهُ إِيَّاهُ .
260 - فَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْكُوفِيَّ الذُّهْلِيَّ أَبَا الْعَلَاءِ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَمِيلٍ الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، [1/237] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَلَا تَعْجِزْ ، فَإِنْ غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ صَنَعَ ، وَإِيَّاكَ وَاللَّوَّ ؛ فَإِنَّهَا تَفْتَحُ مِنَ الشَّيْطَانِ } .
ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْ رَبِيعَةَ ، وَحِفْظِي لَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ .
261 - وَوَجَدْنَا يَحْيَى بْنَ عُثْمَانَ ، قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي أَوَّلِهِ رَبِيعَةُ .
فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ إِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ عَنِ الْأَعْرَجِ تَدْلِيسًا مِنْهُ بِهِ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ أَخَذَهُ مِنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْهُ .
ثُمَّ تَأَمَّلْنَا حَدِيثَ رَبِيعَةَ عَنِ الْأَعْرَجِ ، هَلْ هُوَ سَمَاعُهُ إِيَّاهُ مِنْهُ ، أَوْ عَلَى التَّدْلِيسِ بِهِ عَنْهُ .
262 - فَوَجَدْنَا فَهْدًا قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكُوفِيُّ ، خَتَنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ ، فَإِنْ فَاتَكَ شَيْءٌ فَقُلْ : قَدَرُ [1/238] اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، وَإِيَّاكَ وَلَوْ ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ } .
فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي إِسْنَادِهِ إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، ثُمَّ بَانَ لَنَا مَعْنَى "لَوِ" الْمُحَذَّرِ مِنْهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ وُقُوفِنَا عَلَى أَنَّ "لَوْ" لَيْسَتْ مَكْرُوهَةً فِي كُلِّ الْأَشْيَاءِ ، إِذْ كَانَ اللهُ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ إِبَاحَتَهَا فِي شَيْءٍ ذَكَرَهَا فِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ لِنَبِيِّهِ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ جَوَابِهِ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنِ السَّاعَةِ : وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ، إِذْ قَدْ كَانَ رَسُولُهُ ذَكَرَهَا فِيمَا ذَكَرَهَا فِيهِ .
263 - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ قَالَ : { ضَرَبَ لَنَا رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَثَلَ الدُّنْيَا مَثَلَ أَرْبَعَةٍ : رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا وَآتَاهُ عِلْمًا ، فَهُوَ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِي مَالِهِ ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا ، فَهُوَ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ اللهَ آتَانِي مِثْلَ مَا آتَى فُلَانًا لَفَعَلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَفْعَلُ ، فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا ، فَهُوَ يَمْنَعُهُ مِنْ حَقِّهِ ، وَيُنْفِقُهُ فِي الْبَاطِلِ ، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا ، فَهُوَ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ [1/239] اللهَ آتَانِي مِثْلَ مَا آتَى فُلَانًا ، لَفَعَلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ ، فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ } .
فَلَمْ تَكُنْ " لَوْ " مَكْرُوهَةً فِيمَا ذَكَرْنَا ، فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّهَا إِنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَةٌ ، مُحَذَّرٌ مِنْهَا فِي غَيْرِ مَا وَصَفْنَا .
ثُمَّ تَأَمَّلْنَا ذَلِكَ لِنَقِفَ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي هِيَ مَكْرُوهَةٌ فِيهِ .
فَوَجَدْنَا اللهَ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ مَا كَانَ مِنْ قَوْمٍ ذَمَّهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ قَوْلٍ كَانَ مِنْهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلهِ ثُمَّ عَادَ يُخْبِرُ عَنْهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِمَّا أَخْفَوْهُ عَنْ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ ، ثُمَّ عَادَ تَعَالَى بَعْدُ يُخْبِرُ عَنْهُمْ بِمَا كَانُوا يَقُولُونَ فَقَالَ : يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا فَرَدَّ [1/240] تَعَالَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِمَا أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ فَقَالَ : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ، ثُمَّ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ مُحَذِّرًا لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ، ثُمَّ أَخْبَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَعْنَى الَّذِي بِهِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ أُولَئِكَ الْكَافِرُونَ فَقَالَ : لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ الَّتِي يَجْرِي عَلَيْهَا الْخَلْقُ مِنَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ فَقَالَ : وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ الْآيَةَ .
وَوَجَدْنَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ إِلَى قَوْلِهِ : مِنَ الْمُحْسِنِينَ فَرَدَّ اللهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا الْآيَةَ .
قَالَ : فَكَانَ فِيمَا تَلَوْنَا فِي اللَّوَّاتِ مَا قَدْ عُقِلَ بِهِ مَا هِيَ فِيهِ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ ، وَمَا هِيَ فِيهِ مَذْمُومَةٌ ، وَكَذَلِكَ فِيمَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ .
ثُمَّ وَجَدْنَا الْعَرَبَ تَذُمُّ اللَّوْ ، وَتُحَذِّرُ مِنْهَا ، فَتَقُولُ : احْذَرْ لَوًّا ، تُرِيدُ بِهِ قَوْلَ الْإِنْسَانِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا يَلْحَقُنِي لَعَمِلْتُ خَيْرًا .
وَفِيمَا ذُكِرَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ " اللَّوْ " الْمَكْرُوهَةَ هِيَ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَيْنَا ، وَعَلَى أَنَّ اللَّوْ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَكْرُوهَةٍ هِيَ اللَّوُّ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ أَيْضًا .
وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْحَجَّاجِ الْأَزْدِيِّ ، [1/241] عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ، وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ أَصَابَكَ لَوْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي لَكَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَا وَكَذَا . وَقَدْ بَانَ مِمَّا شَرَحْنَا وَذَكَرْنَا أَنْ لَا تَضَادَّ وَلَا اخْتِلَافَ فِي شَيْءٍ مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَنَّ مَا تَلَوْنَا مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى شَادٌّ لِذَلِكَ ، شَاهِدٌ لَهُ ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .