[2/677] 101 - باب
إثم المار بين يدي المصلي
510 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، عن بسر بن سعيد ، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله : ماذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المار بين يدي المصلي ؟ فقال أبو جهيم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه .
قال أبو النضر : لا أدري : قال أربعين يوما ، أو شهرا ، أو سنة ؟


وخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن مالك .
وخرجه - أيضا - من طريق وكيع ، عن سفيان - هو : الثوري - عن سالم أبي النضر - بمعنى حديث مالك .
ورواه ابن عيينة ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، قال : أرسلني أبو الجهيم ، أسأل زيد بن خالد الجهني : ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم يقول - فذكره من رواية زيد بن خالد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
كذا رويناه في " مسند الحميدي " ، عن سفيان .
وكذا خرجه ابن ماجه ، عن هشام بن عمار ، عن ابن عيينة ، إلا أنه قال : " أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله " - ولم يذكر من أرسله .
[2/678] وذكر أن الشك في تمييز الأربعين من ابن عيينة .
وهذا كله وهم .
وممن نص على أن جعل الحديث من مسند زيد بن خالد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم من ابن عيينة ، وخطأ : ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة ، وأشار إليه الإمام أحمد في رواية حنبل .
وقد اضطرب ابن عيينة في لفظه وإسناده ، ولم يحفظه جيدا .
وقد روي عنه كقول مالك وسفيان على الصواب .
خرجه ابن خزيمة ، عن علي بن خشرم ، عنه .
ومن تكلف الجمع بين القولين من المتأخرين ، فقوله ليس بشيء ، ولم يأت بأمر يقبل منه .
وأبو الجهيم ، هو : ابن الحارث بن الصمة ، وقد سبق له حديث في " التيمم " .
وقد رواه الضحاك بن عثمان ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن خالد ، قال : قَالَ : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما " - وذكر الحديث .
خرجه أبو العباس السراج في " مسنده " .
وهذا يوافق رواية ابن عيينة ، وهو - أيضا - وهم .
وزيادته : " والمصلي " غير محفوظة - أيضا .
وقد وقع في بعض نسخ كتاب البخاري ، ومسلم - أيضا - بعد : " ماذا عليه " : " من الإثم " ، وهي غير محفوظة .
[2/679] وذكر ابن عبد البر : أن هذه اللفظة في رواية الثوري ، عن سالم أبي النضر .
وقد وقعت في كتاب ابن أبي شيبة من رواية الثوري ، مدرجة بلفظة : " يعني : من الإثم " ، فدل على أنها مدرجة من قول بعض الرواة ، وتفسير للمعنى ؛ فإن هَذَا يفهم من قوله : " ماذا عَلِيهِ " ، فإن ابن آدم لَهُ عمله الصالح وعليه عمله السيئ ، كما قَالَ تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وقال : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ وإذا كان هذا عليه فهو من سيئاته .
وفي المعنى أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري :
فروى عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ، عن عمه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " لو يعلم أحدكم ما له أن يمشي بين يدي أخيه معترضا وهو يناجي ربه ، كان لأن يقف في ذلك المكان مائة عام أحب إليه أن يخطو " .
خرجه أحمد ، وهذا لفظه .
وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما " بمعناه .
وخرجه ابن ماجه ، ولم يذكر : " وهو يناجي ربه " ، وعنده : " معترضا في الصلاة " .
وعبيد الله بن عبد الله بن موهب ، ضعفه يحيى . وقال النسائي : ليس [2/680] بذاك القوي . وقال ابن عدي : هو حسن الحديث يكتب حديثه .
وخرج الطبراني من رواية ابن أخي ابن وهب ، عن عمه : ثنا عبد الله بن عياش ، عن أبي رزين الغافقي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " الذي يمر بين يدي الرجل وهو يصلي عمدا ، يتمنى يوم القيامة أنه شجرة يابسة " .
إسناده ليس بقوي .

وقد روي موقوفا ، بلفظ آخر ، من وراية أبي عبد الرحمن المقري : ثنا موسى بن أيوب ، قال : سمعت أبا عمران الغافقي يقول : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : لأن يكون الرجل رمادا يذرى به خير له من أن يمر بين يدي رجل متعمدا وهو يصلي .
خرجه ابن عبد البر وغيره .
وروى ابن أبي شيبة ، عن أبي أسامة ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال : سمعت عبد الحميد بن عبد الرحمن - عامل عمر بن عبد العزيز - يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو يعلم المار بين يدي المصلي لأحب أن تنكسر فخذه ولا يمر بين يديه " .
هذا مرسل .
وأبو أسامة ، قد قيل : إنه كان يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الشامي ، ويسميه : ابن جابر ، وابن تميم ضعيف ، وابن جابر ثقة
.
وذكر مالك في " الموطأ " عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن كعب الأحبار ، قال : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يخسف [2/681] به خير له من أن يمر بين يديه .
وروى أبو نعيم في " كتاب الصلاة " : ثنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال ، قال : قَالَ عمر رضي الله عنه : لو يعلم المار بين يدي المصلي ما يصيب من الإثم ما مر أحد بَيْن يدي أحد وهو يصلي .
وروى أبو بكر النجاد الفقيه الحنبلي ، بإسناده عن ابن عمر ، قال : لأن يكون الرجل رمادا يذرى به خير من أن يمر بين يدي رجل وهو يصلي .
وبإسناده ، عن قتادة ، أن عمر وأبا الدرداء قالا : لو يعلم المار بين يدي المصلي كان أن يقوم حولا أهون عليه من أن يمر بَيْن يديه .
وروى أبو نعيم - أيضا - : ثنا أبو خلدة ، عن أبي العالية ، قالا : إن الإنسان إذا صلى بين يديه ملك يكتب ما يقول ، فما أحب أن يمر بين يدي شيء .
وفي هذا إشارة إلى علة كراهة المرور بين يدي المصلي ، وهو قرب الملائكة منه ، فالمار يصير دخيلا بين المصلي وملائكته الموكلين به .
وفي حديث أبي هريرة المتقدم : إشارة إلى أن المصلي مشتغل بمناجاة ربه ، والرب تعالى يقرب المصلي له إليه ، قربا لا يشبه قرب المخلوقين ، كما سبق ذكره في " أبواب : البصاق في القبلة " .
فالداخل بين المصلي وبين ربه في حال مناجاته له ، وتقريبه إياه ، وإقباله عليه ، واستماعه منه ما يناجيه ، ورده عليه جواب ما يتلوه من كتابه متعرض لمقت الله ، ومستحق لعقوبته .
وهذا كله يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي ، وهو الصحيح عند أصحابنا ، والمحققين من أصحاب الشافعي .
[2/682] وطائفة منهم ومن أصحابنا أطلقوا الكراهة .
وكذلك أطلقها غيرهم من أهل العلم ، منهم : ابن عبد البر وغيره .
وحكاه الترمذي عن أهل العلم .
وقد حمل إطلاق هؤلاء للكراهة على التحريم ؛ فإن متقدمي العلماء كانوا يستعملون ذلك كثيرا .
وقد حكى ابن حزم في " كتاب الإجماع " الاتفاق على أن المار بين المصلي وسترته آثم .
وفي الحديث : دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي ، سواء كان يصلي إلى سترة أو لم يكن ، فإن كان يصلي إلى سترة حرم المرور بينه وبينها ، إذا لم يتباعد عنها تباعدا كثيرا .
وإن لم يكن بينه وبين القبلة سترة ، أو كانت سترة وتباعد عنها تباعدا فاحشا ، ففي تحريم المرور وجهان لأصحابنا :
أصحهما : التحريم ؛ لعموم حديث أبي جهيم .
والثاني : يكره ولا يحرم ، وهو قول أصحاب الشافعي .
والذي نص عليه الشافعي في " كتاب اختلاف الحديث " أنه مباح غير مكروه ، واستدل عليه بحديث ابن عباس والمطلب بن أبي وداعة .
وفي قدر القرب الذي يمنع من المرور فيه وجهان لأصحابنا :
أحدهما : أنه محدود بثلاثة أذرع ؛ لأنها منتهى المسنون في وضع السترة ، على ما سبق .
والثاني : حده بما لو مشى إليه لدفع المار أو غيره ، لم تبطل صلاته .
[2/683] وجاء في حديث مرفوع من حديث ابن عباس : تقديره بقدر قذفة بحجر .
خرجه أبو داود وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى .
وحكي عن الحنفية ، أنه لا يمنع من المرور إلا في محل سجود المصلي خاصة .
وحكى أبو بكر بن العربي ، عن قوم أنهم قدروه بمثل طول الرمح ، وعن آخرين أنهم قدروه برمية السهم ، وقالوا : هو حريم للمصلي . قال : وأخذوه من لفظ المقاتلة ، ولم يفهموا المراد منها . قال : والمقاتلة هنا : المنازعة بالأيدي خاصة .
وقال الشافعي : قوله : " فليقاتله " - يعني : فليدفعه .
فأما من وقف في مجاز الناس الذي ليس لهم طريق غيره وصلى ، فلا إثم في المرور بين يديه ، صرح به أصحابنا وغيرهم ؛ لأنه مفرط بذلك ، فلا حرمة له .
وحكى القرطبي ، عن أصحابهم المالكية ، أن المصلي إذا كان في موضع لا يأمن المرور عليه اشترك هو والمار في الإثم .
وهذا يدل على أنه يحرم المرور بين يديه - أيضا - ولكنه يأثم المار والمصلي جميعا .
وكذلك قال بعض الشافعية : أنه إذا صلى على الطريق ، أو قصر في الدفع شارك المار في الإثم ، وحملوا رواية السراج المتقدمة : " لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما " على ذلك .
وحكي عن بعض الفقهاء ، أنه إن كان للمار مندوحة عن المرور ، وكان المصلي متعرضا لذلك أثما جميعا ، وإن لم يكن للمار مندوحة ، ولا المصلي [2/684] متعرضا لذلك فلا إثم على واحد منهما ، وإن لم يتعرض المصلي لذلك ، وكان للمار مندوحة أثم المار وحده ، وإن تعرض المصلي لذلك ، ولم يكن للمار مندوحة أثم المصلي وحده .
وقال أبو عمر بن عبد البر : الإثم على المار بين يدي المصلي فوق الإثم على الذي يدعه يمر بين يديه ، وكلاهما عاص إذا كان بالنهي عالما ، والمار أشد إثما إذا تعمد ذلك ، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا .
كذا قال ؛ مع أنه ذكر في موضع آخر : أن الدفع ليس بلازم ، ولا يأثم من تركه ، وأنه قول الثوري وغيره .
وخرج ابن أبي شيبة من رواية الأسود ، قال : قال عبد الله - هو : ابن مسعود - : من استطاع منكم أن لا يمر بين يديه وهو يصلي فليفعل ؛ فإن المار بين يدي المصلي أنقص من الممر عليه .
ولعله أراد أن المار أنقص علما أو دينا أو خيرا من الممر عليه ، ولم يرد - والله أعلم - أنه أنقص منه إثما ، اللهم إلا أن يحمل على ما إذا كان المصلي مفرطا بصلاته في موضع مرور الناس ، والمار لا يجد بدا من مروره كما سبق .
وقد روي عن جماعة من الصحابة ، أن الصلاة تنقص بمرور المار :
فروى أبو نعيم : ثنا سليمان بن المغيرة - أظنه : عن حميد بن هلال - قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو يعلم المصلي قدر ما ينقص من صلاته ما صلى أحدكم إلا إلى شيء يستره من الناس .
وهذا منقطع
.
وقد روي عن ابن مسعود ، أنه ينقص نصف صلاته .
[2/685] قال أبو طالب : قلت لأحمد : قول ابن مسعود : إن ممر الرجل يضع نصف صلاته ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يضع من صلاته ، ولكن لا يقطعها ، ينبغي له أن يمنعه .
وهذا الذي أشار إليه خرجه أبو بكر النجاد بإسناده ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، قال : كان عبد الله إذا مر بين يديه رجل وهو يصلي التزمه حتى يرده . قال : وقال عبد الله : إن مرور الرجل بين يدي الرجل ليضع نصف صلاته .
قال القاضي أبو يعلى : وينبغي أن يكون هذا محمولا على ما إذا أمكنه أن يرده فلم يرده ، فيكون قد أخل بفضيلة الرد .
كذا قال ؛ وفيه نظر .
ومذهب أحمد وأصحابه : أن مرور الكلب الأسود يبطل الصلاة ويقطعها ، سواء أمكنه الرد وتركه ، أو تركه عجزا ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى .
وعلى هذا ؛ فلا يبعد القول بنقص كمال الصلاة بمرور غير الكلب ، وإن عجز عَن دفع ذَلِكَ .
ولهذا المعنى رد طائفة من العلماء حديث قطع الصلاة بمرور الكلب وغيره ، وقالوا : إنه مخالف للقرآن في قوله تعالى : وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، كما ذكر ذلك الشافعي .
وقد روي : أن مرور الرجل بين يدي الرجل في صلاته يقطع صلاته .
وخرجه أبو داود في " سننه " بإسناد فيه نظر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بتبوك إلى نخلة ، فأقبل غلام يسعى حتى مر بينه وبين قبلته ، فقال : " قطع صلاتنا ، [2/686] قطع الله أثره " . قال : فما قمت عليها إلى يومي هذا .
وهذا مما يستدل به على أن قطع الصلاة يراد به إذهاب كمال فضلها ، دون إبطالها من أصلها ، وإيجاب إعادتها ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى .
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في " المسند " : ثنا سويد بن سعيد : ثنا إبراهيم بن سعد : حدثني أبي ، عن أبيه ، قال : كنت أصلي ، فمر رجل بين يدي فمنعته ، فسألت عثمان بن عفان ، فقال : لا يضرك يا ابن أخي .
وظاهر هذا : أنه لا ينقص الصلاة ، ويحتمل أنه أراد أنه لم تبطل صلاته أو لعله أراد أنه إذا منعه من المرور فلا يضره إذا رجع ولم يمر .
وقد روي ، عن عائشة ما يدل على أن المرور بين يدي المصلي إذا لم يقطع صلاته فهو جائز :
قال : عبد الله ابن الإمام أحمد في " مسائله " : ثنا أبي : ثنا حجاج : أبنا شعبة ، قال : سمعت عبد الرحمن بن سعيد بن وهب ، قال : سمعت صفية بنت شيبة ، قالت : كانت امرأة تصلي عند البيت إلى مرفقة ، وكانت عائشة تطوف ، فمرت عَائِشَة بينها وبين المرفقة ، فقالت عائشة : إنما يقطع الصلاة الهر والكلب الأسود .
ولعل عائشة - رضي الله عنها - كانت ترى أن المسجد الحرام لا يمنع فيه المرور بين يدي المصلي كما سبق ، وإنما ذكرت أن الصلاة لا تقطع بذلك لئلا ؛ تظن تلك المرأة بطلان صلاتها . والله أعلم .