[2/719] 106 - باب
إذا حمل جارية صغيرة على عنقه
516 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن أبي قتادة الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأبي العاص بن ربيعة ابن عبد شمس ، فإذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها


" أمامة " ، هذه التي حملها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته هي بنت ابنته زينب ، وأبوها : أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف ، وأم أبي العاص : هالة بنت خويلد ، أخت خديجة بنت خويلد .
وفي رواية مالك لهذا الحديث : " أبو العاص بن ربيعة " ، وكذا رواه عامة رواة " الموطأ " عنه .
والصواب : ابن الربيع .
وقد خرجه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك على الصواب .
وأمامة ، تزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة عليها السلام .
وقد خرج مسلم هذا الحديث من طريق مالك .
وخرجه - أيضا - من طريق سفيان بن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان وابن عجلان ، سمعا عامر بن عبد الله بن الزبير يحدث ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن أبي قتادة ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة ابنة أبي العاص - [2/720] وهي بنت زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم - على عاتقه ، فإذا ركع وضعها ، وإذا رفع من السجود أعادها .
ومن طريق ابن وهب : أخبرني مخرمة ، عن أبيه ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، قال : سمعت أبا قتادة الأنصاري يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي للناس ، وأمامة ابنة أبي العاص على عنقه ، فإذا سجد وضعها .
ومن طريق سعيد المقبري ، عن عمرو بن سليم ، سمع أبا قتادة يقول : بينا نحن في المسجد جلوس ، خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، غير أنه لم يذكر أنه أم الناس في تلك الصلاة .
وخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق ، عن المقبري ، عن عمرو بن سليم ، عن أبي قتادة ، قال : بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر ، وقد دعاه بلال للصلاة ، خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عاتقه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصلاه ، فقمنا خلفه ، وهي في مكانها الذي هي فيه ، قال : فكبر فكبرنا . قال : حتى إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركع أخذها فوضعها ، ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها ، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته .
وخرج الزبير بن بكار في كتابه " الجمهرة " بإسناد له عن عمرو بن سليم الزرقي ، أن الصلاة التي صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحمل أمامة صلاة الصبح .
وهو مرسل ، ضعيف الإسناد
.
فمجموع هذه الروايات يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح الصلاة بالناس إماما [2/721] لهم في صلاة الفريضة ، وهو حامل أمامة ، وأنه كان إذا ركع وسجد وضعها بالأرض ، فإذا قام إلى الركعة الثانية عاد إلى حملها إلى أن فرغ من صلاته .
والحديث نص صريح في جواز مثل هذا العمل في الصلاة المكتوبة ، وأن ذلك لا يكره فيها ، فضلا عن أن يبطلها .
وقد أخذ بذلك كثير من العلماء أو أكثرهم :
فقال الحسن والنخعي : ترضع المرأة جنينها وهي تصلي .
خرجه الأثرم عنهما بإسناد صحيح
.
وروى - أيضا - بإسناد صحيح ، عن ابن مسعود ، أنه ركع ثم سجد ، فسوى الحصى ثم خبطه بيده .
قال الأثرم : وسئل أبو عبد الله - يعني : أحمد - عن الرجل يكبر للصلاة وبين يديه رمح منصوب ، فيريد أن يسقط فيأخذه فيركزه مرة أخرى - وقيل له : حكوا عن ابن المبارك أنه أمر رجلا صنع هذا أن يعيد التكبير - ؟ فقال : أرجو أن لا يكون به بأس أن لا يعيد التكبير ، ثم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي الفرض بالناس وأمامة على عاتقه .
قال : وسمعت أبا عبد الله سئل : أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي ؟ قال : نعم .
قال : وأخبرني محمد بن داود المصيصي ، قال : رأيت أبا عبد الله رأى رجلا قد خرج عن الصف ، فرده وهو في الصلاة .
قال : وربما رأيته يسوي نعليه برجليه في الصلاة .
وقال الجوزجاني في كتابه " المترجم " : حدثني إسماعيل بن سعيد ، قال : سألت أحمد بن حنبل عمن حمل صبيا ووضعه في صلاته ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : صلاته جائزة .
قلت له : فمن فعل في صلاته فعلا كفعل أبي برزة حين مشى إلى الدابة ، [2/722] فأخذها حين انفلتت منه ، وهو في صلاته ؟ فقال : صلاته جائزة .
وبه قال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - وأبو خيثمة .
وقال ابن أبي شيبة : من فعل ذلك على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم رجونا أن تكون صلاته تامة .
قال : ويجزئ عمن فعل كفعل أبي برزة في صلاته .
قال الجوزجاني : وأقول : إن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم نجاة لا رجاء ، وإنما الرجاء في اتباع غيره فيما لم يكن عنه صلى الله عليه وسلم .
ثم خرج حديث أبي قتادة في حمل أمامة بإسناده .
ومراده : الإنكار على ابن أبي شيبة في قوله : " أرجو " ، وأن مثل هذا لا ينبغي أن يكون فيه رجاء ؛ فإنه اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك نجاة وفلاح .
وحديث أبي برزة في اتباع فرسه وأخذها في صلاته ، قد خرجه البخاري ، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
وحكى ابن المنذر عن الشافعي وأبي ثور جواز حمل الصبي في الصلاة المفروضة .
وإذا عرفت هذا تبين لك ضعف ما قاله ابن عبد البر : إنه لا نعلم خلافا أن هذا العمل في الصلاة مكروه ، ولم يحك كراهته عن أحد إلا عن مالك ، فإنه قال : ذكر أشهب عن مالك ، أن ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة النافلة ، وأن مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة ، وحكى عن بعض أهل العلم أنه لا يحب لأحد فعل ذلك في صلاته ، ولا يرى عليه إعادة به .
وقد تبين أن أكثر العلماء أجازوه من غير كراهة ، وتخصيصه بالنافلة مردود [2/723] بالنصوص المصرحة بأنه فعل ذلك في الفريضة ، وهو يؤم الناس فيها .
وروى الإسماعيلي في " صحيحه " من حديث عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، أنه قال - بعد روايته هذا الحديث - : من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ناسخ ومنسوخ ، وليس العمل على هذا .
ومالك إنما يشير إلى عمل من لقيه من فقهاء أهل المدينة خاصة كربيعة ونحوه ، وقد عمل به فقهاء أهل العراق كالحسن والنخعي ، وفقهاء أهل الحديث ، ويتعذر على من يدعي نسخه الإتيان بنص ناسخ له .
وقد رخص عطاء في ذلك - أيضا - :
قال عبد الرزاق : عن ابن جريج ، قلت لعطاء : امرأة يبكي ابنها وهي في الصلاة أتتوركه : قال : نعم : قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ حسنا في الصلاة فيحمله حتى إذا سجد وضعه . قلت : في المكتوبة ؟ قال : لا أدري .
وقال حرب الكرماني : ثنا محمد بن يحيى ، ثنا عمر بن علي : ثنا عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء في الرجل يصلي ومعه المتاع بين يديه ، فيتقدم الصف أو يتأخر فيحني ظهره ، فيقدم متاعه أو يؤخره ؟ قال : لا بأس به .
قال حرب : قلت لأحمد : الرجل يكون في الصلاة فيسقط رداؤه عن ظهره ، أيحمله ؟ قال : أرجو أن لا يضيق ذلك . قلت : فيفتح الباب بحيال القبلة ؟ قال : في التطوع .
قال حرب : وثنا المسيب بن واضح ، قال : سمعت ابن المبارك سئل عن الرجل يكون معه الثوب أو غيره ، فيضعه بين يديه في الصلاة ، فيتقدم الصفوف ، أو يتأخر فيتناول ذلك الشيء ، ويتقدم ويتأخر ؟ قال : لا بأس بذلك . قيل : وما وقت ما يمشي المصلي في صلاته ؟ قال : ما لا يخرج إلى حد المشي .
وقال الخطابي : في هذا الحديث من الفقه أن من صلى وعلى ظهره أو [2/724] عاتقه كارة أو نحوها لم تبطل صلاته ، ما لم يحتج لإمساكه إلى عمل كثير ، أو التزام له ببعض أعضائه .
قال : ويشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعمد لحملها ؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته وعن الخشوع فيها ، وأنها كانت إذا سجد جاءت فتعلقت بأطرافه والتزمته ، فينهض من سجوده فيخليها وشأنها ، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع ، فيرسلها إلى الأرض ، حتى إذا سجد وأراد النهوض عاد إلى مثله .
قلت : هذا تبطله الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه خرج على الناس وهو حاملها ، ثم صلى لهم وهو حاملها .
وفي حديث أبي قتادة : دليل على أن حمل الجارية الصغيرة في الصلاة ووضعها ليس بمبطل للصلاة ، ولا هو بداخل فيما يبطل الصلاة من مرور المرأة بين يدي المصلي ؛ فإن هذا ليس بمرور ، وأكثر ما فيه أنه كان يضعها بين يديه ، وليس هذا بأكثر من صلاته إلى عائشة وهي معترضة بين يديه ، بل هذا أهون ؛ لأن ذلك لم يكن يستمر في جميع صلاته . وأيضا ؛ فهذه صغيرة لَمْ تكن بلغت حينئذ .
وقد سبق فِي حَدِيْث أن زَيْنَب بِنْت أم سَلَمَة مرت بَيْن يدي النبي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يصلي ، فلم يقطع صلاته ، وكانت زينب حينئذ صغيرة ، وأن المرأة إذا أطلقت لم يرد بها إلا المرأة البالغ .
وهذا هو المعنى الذي بوب البخاري عليه هنا ، وخرج الحديث لأجله .
وفيه - أيضا - : دليل على طهارة ثياب الأطفال ؛ فإنه لو كان محكوما بنجاستها لم يصل وهو حامل لأمامة .
وقد نص الشافعي وغيره على طهارتها ، ومن أصحاب الشافعي من حكى [2/725] لهم قولين في ذلك .
ومنع ابن أبي موسى من أصحابنا من الصلاة في ثيابهم حتى تغسل ؛ لأنهم لا يتنزهون من البول .
وروى أبو نعيم الفضل بن دكين في " كتاب الصلاة " : ثنا مندل : ثنا إسماعيل بن مسلم ، عن الحارث العكلي ، عن إبراهيم النخعي ، قال : كانوا يكرهون أن يصلوا في ثياب الصبيان .
إسناده ضعيف
.
وقد كره الصلاة في ثيابهم كثير من أصحابنا ، وحكي مثله عن الحسن ، ورخص فيه آخرون ، وهو اختيار بعض أصحابنا ، وهذا أصح ، وهذا الحديث نص في ذلك . والله سبحانه وتعالى أعلم .