باب النفث في الرقية

أي هذا باب في بيان جواز النفث بفتح النون وسكون الفاء وبالثاء المثلثة ، في الرقية ، وفيه رد على من كره النفث فيها كالأسود بن يزيد التابعي ، وقد مر الكلام فيه عن قريب .
62 - حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا سليمان ، عن يحيى بن سعيد ، قال : سمعت أبا سلمة ، قال : سمعت أبا قتادة يقول : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : الرؤيا من الله والحلم من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث حين يستيقظ ثلاث مرات ويتعوذ من شرها ، فإنها لا تضره ، وقال أبو سلمة : فإن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من الجبل ، فما هو إلا أن سمعت هذا الحديث فما أباليها .

قال بعضهم : قوله : " فلينفث " هو المراد من الحديث المذكور في هذه الترجمة ، قلت : الترجمة في النفث في الرقية ، وفي الحديث النفث في الرؤيا ، فلا مطابقة إلا في مجرد ذكر النفث ، ولكن النفث إذا كان مشروعا في هذا الموضع يكون مشروعا في غير هذا الموضع أيضا قياسا عليه ، وبهذا يحصل التطابق بين الترجمة والحديث ، وقال الكرماني : فإن قلت : ما وجه تعلقه بالترجمة إذ ليس فيه ذكر الرقية ؟ قلت : التعوذ هو الرقية ، انتهى ، قلت : هذا أيضا مثل كلام البعض المذكور ، وليس فيما قالاه ما يشفي العليل ولا ما يروي الغليل ، والوجه ما ذكرناه .
قوله : حدثنا خالد ، ويروى : حدثني خالد بن مخلد بفتح الميم ، وسليمان هو ابن بلال ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وأبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ، وقيل : غير ذلك .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في التعبير ، عن أحمد بن يونس وغيره ، وأخرجه مسلم في الرؤيا ، عن عمرو الناقد وغيره ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن عبد الله بن محمد النفيلي ، وأخرجه الترمذي في الرؤيا ، عن قتيبة به ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة وعن آخرين ، وأخرجه ابن ماجه في الديات ، عن محمد بن رمح به .
قوله : " الرؤيا " ، أي : الصالحة ، من الله ، يعني : بشارة من الله يبشر بها عبده ليحسن به ظنه ويكثر عليها شكره . قوله : " والحلم " بضم اللام وسكونها ، أي : الرؤيا المكروهة هي التي يريها الشيطان الإنسان ليحزنه فيسوء ظنه بربه ويقل حظه من الشكر ، فلذلك أمره أن ينفث ، أي : يبصق من جهة شماله ثلاث مرات ويتعوذ من شره ، كأنه يقصد به طرد الشيطان وتحقيره واستقذاره . قوله : " ويتعوذ " بالجزم . قوله : " وقال أبو سلمة " موصول بالإسناد المذكور . قوله : " فإن كنت " ، وفي رواية الكشميهني : إن كنت بدون الفاء . قوله : " أثقل علي من الجبل " ، أي : لأجل ما كان يتوقع من شرها . قوله : " فما هو إلا أن سمعت " ، أي : ما الشأن إلا سماعي ، وقال المازري : حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات ، فإن كان ذلك الاعتقاد علامة على الخير كان خلقه بغير حضرة الشيطان ، وإن كان على الشر فهو بحضرته ، فنسب إلى الشيطان مجازا ؛ إذ لا فعل له حقيقة ؛ إذ الكل خلق الله تعالى ، وقيل : أضيفت المحبوبة إلى الله تعالى إضافة تشريف بخلاف المكروهة ، وإن كانا بخلق الله تعالى .