[3/51] 6 - باب
الصلوات الخمس كفارة للخطايا
إذا صلاهن لوقتهن في الجماعة وغيرها
528 - حدثني إبراهيم بن حمزة : ثنا ابن أبي حازم والدراوردي ، عن يزيد بن عبد الله ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقي من درنه ؟ ) قالوا : لا يبقي من درنه شيئا . قال : ( فذلك مثل الصلوات الخمس ، يمحو الله بها الخطايا )
.

هذا مثل ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - لمحو الخطايا بالصلوات الخمس ، فجعل مثل ذلك مثل من ببابه نهر يغتسل فيه كل يوم خمس مرار ، كما أن درنه ووسخه ينقى بذلك حتى لا يبقى منه شيء ، فكذلك الصلوات الخمس في كل يوم تمحو الذنوب والخطايا حتى لا يبقى منها شيء .
واستدل بذلك بعض من يقول : إن الصلاة تكفر الكبائر والصغائر ، لكن الجمهور القائلون بأن الكبائر لا يكفرها مجرد الصلاة بدون توبة ، يقولون : هذا العموم خص منه الكبائر بما خرجه مسلم من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ، ما اجتنبت الكبائر ) .
وفيه - أيضا - : عن عثمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة ، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها ؛ إلا كانت كفارة لما [3/52] قبلها من الذنوب ، ما لم تؤت كبيرة وكذلك الدهر كله ) .
وخرج النسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( والذي نفسي بيده ، ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة ، ثم قيل له : ادخل بسلام ) .
وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه - أيضا .
وقال ابن مسعود : الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر .
وروي عنه مرفوعا . والموقوف أصح .

وقال سلمان : حافظوا على هذه الصلوات الخمس ؛ فإنهن كفارة لهذه الجراح ، ما لم تصب المقتلة .
وقد حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك ، وأن الكبائر لا تكفر بمجرد الصلوات الخمس ، وإنما تكفر الصلوات الخمس الصغائر خاصة .
وقد ذهب طائفة من العلماء ، منهم : أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا - إلى أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصلوات الصغائر ، فإن لم تجتنب الكبائر لم تكفر الصلوات شيئا من الصغائر ، وحكاه ابن عطية في " تفسيره " عن جمهور أهل السنة ؛ لظاهر قوله : ( ما اجتنبت الكبائر ) .
والصحيح الذي ذهب إليه كثير من العلماء ، ورجحه ابن عطية ، وحكاه عن [3/53] الحذاق : أن ذلك ليس بشرط ، وأن الصلوات تكفر الصغائر مطلقا إذا لم يصر عليها ، فإنها بالإصرار عليها تصير من الكبائر .
وحديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري في هذا الباب وغيره من الأحاديث يدل على ذلك ، وقد ذكر البخاري في تبويبه عليه أن صلاتهن في وقتهن شرط لتكفير الخطايا ، وأخذ ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( يغتسل فيه كل يوم خمسا ) ، وهذا يدل على تفريق الصلوات خمس مرار في كل يوم وليلة ، ومن جمع بينهما في وقت واحد أو في وقتين أو ثلاثة لغير عذر لم يحصل منه هذا التفريق ولا تكرير الاغتسال ، وهو بمنزلة من اغتسل مرة أو مرتين أو ثلاثا .
وحديث عثمان الذي خرجه مسلم يدل على أن كل صلاة تكفر ذنوب ما بينها وبين الصلاة الأخرى خاصة ، وقد ورد مصرحا بذلك في أحاديث كثيرة .
وحينئذ ؛ فمن ترك صلاة إلى وقت صلاة أخرى لغير عذر وجمع بينهما فلا يتحقق أن هاتين الصلاتين المجموعتين في وقت واحد لغير عذر يكفران ما مضى من الذنوب في الوقتين معا ، وإنما يكون ذلك إن كان الجمع لعذر يبيح الجمع .
وتمثيله - صلى الله عليه وسلم - بالنهر هو مبالغة في إنقاء الدرن ؛ فإن النهر الجاري يذهب الدرن الذي غسل فيه ولا يبقى له فيه أثر ، بخلاف الماء الراكد ؛ فإن الدرن الذي غسل فيه يمكث في الماء ، وربما ظهر مع كثرة الاغتسال فيه على طول الزمان ؛ ولهذا روي النهي عن الاغتسال في الماء الدائم كما سبق ذكره في الطهارة .
وفي " صحيح مسلم " من حديث الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات ) . قال : قال الحسن : وما يبقي ذلك من الدرن .
[3/54] وقد روي عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن عبيد بن عمير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا .
قال أبو حاتم : كذلك أرسله الحفاظ ، وهو أشبه
.
وروي تشبيه الصلوات بخمسة أنهار .
خرجه ابن جرير الطبري والطبراني والبزار من طريق يحيى بن أيوب : وحدثني عبد الله بن قريط ، أن عطاء بن يسار حدثه ، أنه سمع أبا سعيد الخدري يحدث ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( الصلوات الخمس كفارة ما بينهما ) . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أرأيت لو أن رجلا كان له معتمل ، وبين منزله ومعتمله خمسة أنهار ، فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله ، فأصابه الوسخ والعرق ، فكلما مر بنهر اغتسل ما كان ذلك مبقيا من درنه ، فكذلك الصلوات ، كلما عمل خطيئة أو ما شاء الله ، ثم صلى صلاة فدعا واستغفر غفر له ما كان قبلها ) .
وخرج البزار نحوه - أيضا - من طريق عمر بن صهبان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وهذه متابعة لابن قريط ، ولكن ابن صهبان فيه ضعف شديد
.
وأما استنباط البخاري : أن هذا التكفير لا يشترط له أن تكون الصلاة في جماعة ، فإنه أخذه من قوله ( بباب أحدكم ) ، ومن صلى في بيته فهو كمن صلى في باب منزله .
ولقائل أن يقول : لو كان الأمر على ذلك لجعل النهر في المنزل ، فلما جعله ببابه دل على أنه خارج من بيته ، ففيه إشارة إلى الصلاة في المساجد ، [3/55] وإن قربت من المنازل .
وحديث أبي سعيد صريح في أن النهر بين المنزل وبين المعتمل ، وهو المكان الذي يعمل فيه المرء عمله وينتشر فيه لمصالح اكتسابه ونحو ذلك .
وهذا مما يدل على أن المراد بالدرن الصغائر التي تصيب الإنسان في كسبه ومعاشه ومخالطته للناس المخالطة المباحة .