[2/218] 17 - باب
الصلاة في الثوب الأحمر
376 - حدثنا محمد بن عرعرة : حدثني عمر بن أبي زائدة ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله في قبة حمراء من أدم ، ورأيت بلالا أخذ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء ، فمن أصاب منه شيئا تمسح به ، ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه ، ثم رأيت بلالا أخذ عنزة فركزها ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء مشمرا ، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين ، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة .


هذا الحديث قد خرجه في مواضع متعددة ، مختصرا وتاما ، وقد سبق في " أبواب الوضوء " بعضه ، ويأتي في مواضع متفرقة - أيضا .
والمقصود منه هاهنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في حلة حمراء مشمرا وصلى بالناس ، فدل على جواز الصلاة في الثوب الأحمر .
قال أبو عبيد : الحلة : برود اليمن من مواضع مختلفة منها . قال : والحلة إزار ورداء ، لا يسمى حلة حتى يكون ثوبين . انتهى .
وكذلك فسر سفيان الثوري الحلة الحمراء في هذا الحديث ببرد الحبرة - : حكاه عنه عبد الرزاق ، وهو في " مسند الإمام أحمد " وكتاب الترمذي .
وحينئذ ؛ فالحلة الحمراء التي لبسها النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت بردا مخططا فيه [2/219] خطط حمر ، ولم يكن كله أحمر .
وقد بوب البخاري في " كتاب : اللباس " : " باب : الثوب الأحمر " ، ثم خرج فيه من حديث البراء بن عازب ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء .
والقول في هذا الحديث كالقول في حديث أبي جحيفة .
ثم قال : " باب : الميثرة الحمراء " ، وخرج فيه من حديث البراء ، قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج والقسي والإستبرق ومياثر الحمر .
" المياثر " : مراكب ، سميت مياثر لوثارتها - وهو لينها ووطأتها ، وكانت من زي العجم .
وقد قيل : إنها كانت من ديباج أو حرير - : قاله أبو عبيد وغيره .
وفسر يزيد بن أبي زياد الميثرة بجلود السباع .
وقد خرج النسائي من حديث المقدام بن معدي كرب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى عن مياثر النمور .
وفي الصلاة في الثوب الأحمر حديث آخر :
خرجه الطبراني من رواية سعد بن الصلت ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن حسين ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس يوم العيد بردة حمراء .
ورواه حجاج بن أرطاة ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة .
[2/220] كذا رواه حفص بن غياث ، عن حجاج .
وخالفه هشيم ، فرواه عن حجاج ، عن أبي جعفر - مرسلا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر ، ويعتم يوم العيدين .
خرجه ابن سعد من هذين الوجهين .
والمرسل أشبه .
وقد اختلف العلماء في لبس الأحمر :
فرخص فيه ابن المسيب ، والشعبي ، والنخعي ، والحسن ، وعلي بن حسين ، وابنه أبو جعفر .
وروي عن علي بن أبي طالب ، أنه كان يلبس بردا أحمر .
وفي " صحيح مسلم " ، أن أسماء بنت أبي بكر أرسلت إلى ابن عمر تقول له : بلغني أنك تحرم مياثر الأرجوان ، فقال : هذه ميثرتي أرجوان .
والأرجوان : الشديد الحمرة .
وكرهت طائفة الثياب الحمر ، منهم : طاوس ، ومجاهد ، وعطاء .
وروي عن الحسن وابن سيرين ، قالا : هو زينة آل قارون .
وهو المنصوص عن أحمد في رواية المروذي ، وسوى بين الرجال والنساء في كراهته .
وروى عن عطاء وطاوس ومجاهد الرخصة فيه للنساء خاصة .
وروي عن عائشة ، أنها كانت تلبس درعا أحمر .
وفي كراهة الأحمر من اللباس أحاديث متعددة ، خرجها أبو داود وغيره ، يطول ذكرها هاهنا ، وربما تذكر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى .
[2/221] ومنهم من رخص فيما حمرته خفيفة ، وكره الشديد الحمرة ، وروي ذلك عن مالك وأحمد ، ورجحه كثير من أصحابنا .
وفي " صحيح مسلم " ، عن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس المعصفر .
وخرجه النسائي ، وزاد فيه : المفدم .
والمفدم : المشبع بالعصفر .
وفي " صحيح مسلم " - أيضا - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوبين معصفرين ، فقال : " إن هذه من ثياب الكفار ، فلا تلبسها " .
وقد اختلف في لبس المعصفر :
فكرهه طائفة ، روي عن عمر وعثمان وابن عمر وأنس ، وهو قول الزهري وسعيد بن جبير ومالك وأحمد .
ورخصوا فيه للنساء .
وحكى ابن عبد البر الإجماع على جوازه لهن .
وفي الرخصة لهن فيه حديث مرفوع .
خرجه أبو داود .
وهذا قد يخالف رواية المروذي عن أحمد بكراهة الأحمر للنساء ، كما تقدم ، لكن تلك مقيدة بإرادة الزينة به ، فقد تكون الرخصة محمولة على من لم يرد به الزينة .
[2/222] وهذا القول روي عن ابن عباس ، أنه يكره المعصفر للتزين به ، ويرخص فيما امتهن منه .
ورخصت طائفة في المعصفر مطلقا للرجال والنساء ، روي عن أنس ، وعن أبي وائل ، وعروة ، وموسى بن طلحة ، والشعبي ، وأبي قلابة ، وابن سيرين ، والنخعي وغيرهم ، وهو قول الشافعي .
وكرهت طائفة المشبع منه - وهو المفدم - دون الخفيف ، روي عن عطاء وطاوس ومجاهد .
وحكي عن مالك وأحمد - أيضا - ؛ فإنه قال في المصبوغ بالدم : إن كانت حمرته تشبه المعصفر أكرهه ، وقال : لا بأس بالمورد ، وما كان خفيفا .
وحكى الترمذي في " كتابه " هذا القول عن أهل الحديث : أنهم كرهوا لبس المعصفر ، ورأوا : أن ما صبغ بالمدر أو غير ذلك فلا بأس به ، إذا لم يكن معصفرا .
وقد روي عن علي وابن عمر الرخصة في المصبوغ بالمشق - وهو المغرة - وقالا : إنما هو مدر أو تراب .
وفي كراهة المصبوغ بالمغرة : حديث خرجه أبو داود ، في إسناده مقال .
ومن الناس من قال : يكره المعصفر خاصة ، دون سائر ألوان الحمرة . وقال : لم يصح في غيره نهي .
ومنهم من حمل أحاديث الرخصة على الجواز ، وأحاديث النهي على كراهة التنزيه ، وهذه هي طريقة ابن جرير الطبري .
وزعم الخطابي أن المكروه من الأحمر ما صبغ من الثياب بعد نسجه ، فأما [2/223] ما صبغ غزله ثم نسج - كعصب اليمن - فغير داخل في النهي .
وكذلك الشافعي فرق في المصبوغات بين ما صبغ قبل نسجه وبعده ، واستحسن لبس ما صبغ غزله ، دون ما صبغ بعد نسجه للزينة .
واختلف القائلون بكراهة الأحمر ، فيما إذا كان في الثوب شيء من حمرة : هل يكره أم لا ؟
فروي عن ابن عمر ، أنه اشترى عمامة واعتم بها ، فرأى فيها خيطا أحمر ، فردها .
وكذلك روى المروذي عن أحمد ، أنه أمره أن يشتري له تكة لا تكون فيها حمرة .
وخرج أبو داود من حديث رافع بن خديج ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رواحلنا وعلى إبلنا أكسية فيها خيوط عهن حمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أرى الحمرة قد علتكم ؟ " فقمنا سراعا ، فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها .
وفي إسناده رجل لا يعرف .

وخرج الطبراني وغيره من حديث إسحاق بن راهويه ، قال : قلت لأبي قرة : أذكر ابن جريج ، عن مسلم بن أبي مريم ، عن عبد الله بن سرجس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوما وعليه نمرة ، فقال لرجل من أصحابه : " أعطني نمرتك ، وخذ نمرتي " ، فقال : يا رسول الله ، نمرتك أجود من [2/224] نمرتي . قال : " أجل ؛ ولكن فيها خيط أحمر ، فخشيت أن أنظر إليه فيفتنني " - ؟ فأقر به أبو قرة ، وقال : نعم .
وهذا غريب
.
ورخص فيه آخرون . روي عن الحسن ، وقد سبق .
ونص عليه أحمد في رواية أخرى عنه في كساء أسود عليه علم أحمر ، قال : لا بأس به .
ويستدل لهذا : بحديث لبس النبي صلى الله عليه وسلم حلة حمراء وبردا أحمر ؛ فإن المراد بالحلة البرد المخطط بحمرة ، كما قاله سفيان الثوري وغيره .