[3/64] الحديث الرابع :
538 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث : ثنا أبي : ثنا الأعمش : ثنا أبو صالح ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أبردوا بالظهر ؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم ) .
تابعه : سفيان ويحيى وأبو عوانة ، عن الأعمش
.

يعني : كلهم رووه ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري .
وقد خرجه البخاري في " بدء الخلق " عن الفريابي ، عن سفيان كذلك ، ولفظه : ( أبردوا بالصلاة ) .
إلا أن رواية حفص فيها تصريح الأعمش بسماعه له من أبي صالح ، فأمن بذلك تدليسه له عنه .
وإنما ذكر البخاري المتابعة لحفص على قوله ؛ لأن عبد الرزاق والأشجعي روياه ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة .
ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله .
وخرجه كذلك في " مسنده " في " مسند أبي هريرة " ، ثم أتبعه بحديث أبي سعيد أنه هو الصواب .
[3/65] وكذلك حدث به عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني - ويلقب : رسته - ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، أملاه عليهم - قال أبي : من حفظه - ، فأنكره عليه أبو زرعة ، وقال : هو غلط ؛ الناس يروونه عن أبي سعيد ، فلما رجع رسته إلى بلده نظر في أصله فإذا هو عن أبي سعيد ، فرجع عما أملاه ، وكتب إلى أبي زرعة يعتذر عما وقع منه .
وعامة روايات هذا الحديث من طرقه إنما فيها : ( أبردوا بالصلاة ) أو ( عن الصلاة ) ، وليس في شيء منها في " الصحيح " ذكر " الظهر " ، إلا في رواية أبي سعيد التي خرجها البخاري هاهنا .
وفي أحاديث الباب كله ؛ الأمر بالإبراد بالصلاة في اشتداد الحر .
قال الخطابي : قوله : ( أبردوا بالصلاة ) أي : تأخروا عنها مبردين ، أي : داخلين في وقت البرد . قال : والمراد : كسر شدة [حر] الظهيرة ؛ لأن فتور حرها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد ، وليس المراد أن يؤخر إلى أحد بردي النهار ، وهو برد العشي ؛ إذ فيه الخروج من قول الأمة .
قال : وفيح جهنم شدة استعارها ، وأصله السعة والانتشار ، وكانت العرب تقول في غاراتها : فيحي فياح .
وقال غيره : الفيح سطوع الحر ، يقال : فاحت القدر تفوح إذا غلت .
وأما قول صاحب " الغريبين " : أبردوا بالظهر : صلوها في أول وقتها . وبرد النهار أوله .
فهو خطأ ، وتغيير للمعنى ، وصلاة الظهر في أول وقتها في شدة الحر ليس إبرادا ، بل هو ضده ، بخلاف أول النهار ، كما في الحديث : ( من صلى [3/66] البردين دخل الجنة ) .
وقد بوب البخاري على هذه الأحاديث : ( الإبراد بالظهر في شدة الحر ) فدل ذلك على أنه يرى الإبراد في شدة الحر بكل حال ، سواء كان في البلاد الحارة أو غيرها ، وسواء كان يصلي جماعة أو وحده .
وهذا قول كثير من أهل العلم ، وذكر طائفة من المالكية كالقاضي إسماعيل وأبي الفرج أنه مذهب مالك ، وذكر صاحب " المغني " من أصحابنا أنه ظاهر كلام أحمد والخرقي ، ورجحه ، وكذلك حكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق ، وحكاه الخطابي عن أحمد ورجحه ابن المنذر ، وحكاه عن أهل الرأي ، وحكاه الترمذي في " جامعه " عن ابن المبارك وأحمد وإسحاق ، ورجحه .
ولذلك ذكر بعض الشافعية أنه ظاهر الحديث ، ومال إليه ، والمنصوص عن الشافعي : أنه لا يستحب الإبراد إلا في شدة الحر في البلاد الحارة لمن يصلي جماعة في موضع يقصده الناس من بعد ، كذا نص عليه في " الأم " ، وعليه جمهور أصحابه .
ولهم وجه : أنه لا يشترط البلاد الحارة ، وحكوا قولا للشافعي : أنه لا يشترط بعد المسجد ، بل يبرد ولو كانت منازلهم قريبة منه .
واشترط طائفة من أصحابنا للإبراد : أن تكون الصلاة في مسجد ، قالوا : وسواء كان مما ينتابه الناس أو لا ، وأن تكون البلدان حارة شديدة الحر أو متوسطة .
ومنهم من اشترط مسجد الجماعة فقط .
وكذلك قال ابن عبد الحكم وطائفة من المالكية العراقيين أنه لا يبرد إلا بالصلاة في مساجد الجماعة دون من صلى منفردا .
وذكر القاضي إسماعيل ، عن ابن أبي أويس ، عن مالك ، قال : بلغني أن عمر [3/67] قال لأبي محذورة : إنك بأرض حارة ، فأبرد ، ثم أبرد ، ثم ناد ، فكأنني عندك .
واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر بالإبراد .
فمنهم من قال : هو حصول الخشوع في الصلاة ؛ فإن الصلاة في شدة الحر كالصلاة بحضرة طعام تتوق نفسه إليه ، وكصلاة من يدافع الأخبثين ، فإن النفوس حينئذ تتوق إلى القيلولة والراحة ، وعلى هذا فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة .
ومنهم من قال : هو خشية المشقة على من بعد من المسجد بمشيه في الحر ، وعلى هذا فيختص الإبراد بالصلاة في مساجد الجماعة التي تقصد من الأمكنة المتباعدة .
ومنهم من قال : هو وقت تنفس جهنم .
وقد ثبت في " صحيح مسلم " من حديث عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ، ثم اقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم ، فإذا أقبل الفيء ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ) .
وفي " صحيحي ابن خزيمة وابن حبان " من حديث أبي هريرة - مرفوعا ، قال : ( فإذا انتصف النهار فاقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس ؛ فإن حينئذ تسعر جهنم ، وشدة الحر من فيح جهنم ، فإذا مالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر ) .
وخرجه ابن ماجه ، ولفظه : " فإذا كانت - يعني : الشمس - على رأسك [3/68] كالرمح فدع الصلاة ؛ فإن تلك الساعة تسعر فيها جهنم ، وتفتح فيها أبوابها ، حتى تزيغ الشمس عن حاجبك الأيمن ، فإذا زالت فالصلاة محضورة متقبلة " .
وهذا يدل على أن شدة الحر عقيب الزوال من أثر تسجرها ، فكما تمنع الصلاة وقت الزوال ، فإنه يستحب تأخرها بعد الزوال حتى يبرد حرها ويزول شدة وهجها ؛ فإنه إثر وقت غضب ، والمصلي يناجي ربه ، فينبغي أن يتحرى بصلاته أوقات الرضا والرحمة ، ويجتنب أوقات السخط والعذاب ، وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده وفي جماعة - أيضا .
والأمر بالإبراد أمر ندب واستحباب ، لا أمر حتم وإيجاب ، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء .
فإن شذ أحد من أهل الظاهر جريا على عادتهم ، ولم يبال بخرق إجماع المسلمين ، كان محجوبا بالإجماع قبله ، وبحديث عمرو بن عبسة وأبي هريرة المذكورين ، فإنهما يصرحان بأن الصلاة بعد الزوال مشهودة محضورة متقبلة ، ولم يفرق بين فرض ونفل .
وذهب طائفة من العلماء إلى أن الإبراد رخصة ، وأن تركه سنة ، والصلاة في أول الوقت بكل حال أفضل ، وهو قول الليث بن سعد وطائفة من أصحاب الشافعي .
والأحاديث الصحيحة ترده .
وقد جعل مالك القول بترك الإبراد قول الخوارج .
وأما حد الإبراد ، فقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا : يكون بين الفراغ من الصلاة وبين آخر وقت الصلاة فضل .
[3/69] وقال الشافعية : حقيقة الإبراد : أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت بقدر ما يحصل للحيطان فيء يمشي فيه طالب الجماعة ، ولا يؤخر عن النصف الأول من الوقت .
وحكى سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه عن بعض العلماء ، أنه إذا أخر الصلاة إلى نصف وقتها فلم يفرط ، وإذا أخرها حتى كانت إلى وقت الصلاة الأخرى أقرب فقد فرط .
ولعله يريد : أنه يكره ذلك ، لا أنه يحرم .
وأما صلاة الظهر في غير شدة الحر ، فجمهور العلماء على أن الأفضل تعجيلها ، وفيه خلاف عن مالك يأتي ذكره فيما بعد - إن شاء الله .
واستدل من لم ير استحباب الإبراد بحديث خباب بن الأرت : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء ، فلم يشكنا ، وقد ذكرناه في " باب : السجود على الثوب " ، وذكرنا أن الصحيح في تفسيره : أنهم طلبوا منه تأخير الصلاة بالهاجرة ، فلم يجبهم إلى ذلك ، وأمرهم بالصلاة إذا زالت الشمس .
وقد أجيب عنه بوجهين :
أحدهما : أنهم طلبوا منه التأخير الفاحش المقارب آخر الوقت ، فلم يجبهم إليه .
والثاني : أنه منسوخ بالأمر بالإبراد ، وهو جواب الإمام أحمد والأثرم .
واستدلا بحديث المغيرة بن شعبة ، قال : كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالهاجرة ، فقال لنا : ( أبردوا بالصلاة ؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم ) .
[3/70] خرجه الإمام أحمد وابن حبان في " صحيحه " وابن ماجه .
وزعمت طائفة أن معنى حديث خباب : أنهم شكوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يعذبون في رمضاء مكة في شدة الحر ، وسألوه أن يدعو لهم ، فلم يجبهم .
وهذا بعيد ، وألفاظ الحديث ترده ، وقد سبق ذكره .
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اشتكت النار إلى ربها ) ، فالمحققون من العلماء على أن الله أنطقها بذلك نطقا حقيقيا كما ينطق الأيدي والأرجل والجلود يوم القيامة ، وكما أنطق الجبال وغيرها من الجمادات بالتسبيح والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وغير ذلك مما يسمع نطقه في الدنيا .
ويشهد لذلك : ما خرجه الإمام أحمد والترمذي - وصححه - ، من حديث الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يخرج عنق من النار يوم القيامة ، لها عينان تبصران ، وأذنان تسمعان ، ولسان ينطق ، يقول : إني وكلت بثلاثة : بكل جبار عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلها آخر ، وبالمصورين ) .
وقد روي عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
خرجه الإمام أحمد - أيضا .
وقيل : إن هذا الإسناد هو المحفوظ
.
وخرجه البزار بهذا الإسناد ، ولفظ حديثه : ( يخرج عنق من النار يتكلم بلسان طلق ذلق ، لها عينان تبصر بهما ، ولها لسان تتكلم به ) - وذكر الحديث .
[3/71] وقوله : ( فأشد ما تجدون من الحر ، وأشد ما تجدون من الزمهرير ) - بمعنى : أنه من تنفس جهنم .
وقد فسر ذلك الحسن بما يحصل منه للناس أذى من الحر والبرد .
قال ابن عبد البر : أحسن ما قيل في معنى هذا الحديث : ما روي عن الحسن البصري - رحمه الله - ، قال : اشتكت النار إلى ربها ، قالت : يا رب ، أكل بعضي بعضا ، فخفف عني . قال : فخفف عنها ، وجعل لها كل عام نفسين ، فما كان من برد يهلك شيئا فهو من زمهريرها ، وما كان من سموم يهلك شيئا فهو من حرها .
وقد جعل الله تعالى ما في الدنيا من شدة الحر والبرد مذكرا بحر جهنم وبردها ، ودليلا عليها ، ولهذا تستحب الاستعاذة منها عند وجود ذلك .
كما روى عثمان الدارمي وغيره من رواية دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد - أو عن ابن حجيرة الأكبر ، عن أبي هريرة ، أو أحدهما - حدثه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إذا كان يوم حار ، فإذا قال الرجل : لا إله إلا الله ، ما أشد حر هذا اليوم ، اللهم أجرني من حر جهنم ، قال الله لجهنم : إن عبدا من عبيدي استجارني من حرك ، وأنا أشهدك أني قد أجرته ، وإذا كان يوم شديد البرد ، فإذا قال العبد : لا إله إلا الله ، ما أشد برد هذا اليوم ، اللهم أجرني من زمهرير جهنم ، قال الله لجهنم : إن عبدا من عبادي قد استعاذني من زمهريرك ، فإني أشهدك أني قد أجرته ) . قالوا : وما زمهرير جهنم ؟ قال : ( بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بردها ) .