والحديث الثاني :
49 – حديث عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يخبر بليلة القدر ، فتلاحى رجلان من المسلمين ، فقال : " إني خرجت لأخبركم بليلة القدر ، وإنه تلاحى فلان وفلان ، فرفعت ، فعسى أن يكون خيرا لكم ، التمسوها في السبع والتسع والخمس " .


[1/187] إنما خرج البخاري هذا الحديث في هذا الباب لذكر التلاحي ، والتلاحي قد فسر بالسباب ، وفسر بالاختصام والمماراة من دون سباب .
ويؤيد هذا أنه جاء في رواية في " صحيح مسلم " : " فجاء رجلان يحتقان " أي : يطلب كل واحد منهما حقه من الآخر ، ويخاصمه في ذلك .
فمن فسره بالسباب احتمل عنده إدخال البخاري للحديث في هذا الباب أن السباب تعجل عقوبته حتى يحرم المسلمون بسببه معرفة بعض ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم .
وإنما رجا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون ذلك خيرا ؛ لأن إبهام ليلة القدر أدعى إلى قيام العشر كله أو أوتاره في طلبها ، فيكون سببا لشدة الاجتهاد وكثرته . ولكن بيان تلك الليلة ومعرفتهم إياها بعينها له مزية على إبهامها ، فرفع ذلك بسبب التلاحي .
فدل هذا الحديث على أن الذنوب قد تكون سببا لخفاء بعض معرفة ما يحتاج إليه في الدين .
وقال ابن سيرين : ما اختلف في الأهل حتى قتل عثمان .
فكلما أحدث الناس ذنوبا أوجب ذلك خفاء بعض أمور دينهم عليهم ، وقد يكون في خفائه رخصة لمن ارتكبه وهو غير عالم بالنهي عنه ؛ إذ لو علمه ثم ارتكبه لاستحق العقوبة .
ومن فسر التلاحي بالاختصام قال : مراد البخاري بإدخاله هذا الحديث في هذا الباب أن التلاحي من غير سباب ليس بفسوق ، ولا يترتب عليه حكم الفسوق ؛ لأنه كان سببا لما هو خير للمسلمين .
[1/188] وهذا هو الذي أشار إليه الإسماعيلي ، وفيه نظر ، والله أعلم .
ويحتمل أن يكون مراد البخاري أن السباب ليس بمخرج عن الإسلام مع كونه فسوقا ؛ ولهذا قال في الحديث : " فتلاحى رجلان من المسلمين " ، فسماههما مسلمين مع تلاحيهما .
وفي " مسند البزار " من حديث معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن أول شيء نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان شرب الخمر ، وملاحاة الرجال " .
وفي إسناده عمرو بن واقد الشامي ، وهو ضعيف جدا .
وإنما حرمت الخمر بعد الهجرة بمدة .
ولكن رواه الأوزاعي ، عن عروة بن رويم - مرسلا .

خرجه أبو داود في " مراسيله " .