[3/83] 12 - باب
تأخير الظهر إلى العصر
543 - حدثنا أبو النعمان : ثنا حماد بن زيد ، عن عمرو - وهو : ابن دينار - عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء .
فقال أيوب : لعله في ليلة مطيرة ؟ قال : عسى
.

وخرجه مسلم من طريق حماد - أيضا - ، ولم يذكر فيه قول أيوب .
وخرجه من طريق ابن عيينة ، عن عمرو ، ولفظ حديثه : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمانيا جميعا وسبعا جميعا . قلت : يا أبا الشعثاء ، أظنه أخر الظهر وعجل العصر ، وأخر المغرب وعجل العشاء . قال : وأنا أظن ذلك .
وخرجه البخاري - أيضا - في " أبواب : صلاة التطوع " .
وخرجه النسائي عن قتيبة ، عن سفيان ، وأدرج تفسيره في الحديث .
قال ابن عبد البر : الصحيح : أن هذا ليس من الحديث ، إنما هو من ظن أبي الشعثاء وعمرو بن دينار .
ورواه محمد بن مسلم الطائفي ، عن عمرو بن دينار ، وزاد في حديثه : " من غير مرض ولا علة " .
خرجه من طريقه الطبراني .
[3/84] ومحمد بن مسلم ، ليس بذاك الحافظ
.
وخرج النسائي من طريق حبيب بن أبي حبيب ، عن عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أنه صلى بالبصرة الأولى والعصر ، ليس بينهما شيء ، والمغرب والعشاء ، ليس بينهما شيء ، [فعل ذلك من شغل ، وزعم ابن عباس ، أنه صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة الأولى والعصر ثمان سجدات ، ليس بينهما شيء] .
وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من وجوه أخر ، بألفاظ مختلفة ، روي عنه من رواية سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعا بالمدينة ، في غير خوف ولا سفر .
خرجه مسلم .
وخرجه أبو داود ، وزاد : قال مالك : أرى ذلك كان في مطر .
وخرجه مسلم - أيضا - من طريق زهير ، عن أبي الزبير - بمثله ، وزاد : قال ابن عباس : أراد أن لا يحرج أحدا من أمته .
وخرجه - أيضا - من طريق قرة ، عن أبي الزبير ، وذكر فيه : أن ذلك كان في سفرة سافرها في غزوة تبوك ، وذكر فيه قول ابن عباس : أراد أن لا يحرج أمته .
وخرج - أيضا - من طريق الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر ، [3/85] والمغرب والعشاء بالمدينة ، في غير خوف ولا مطر . قلت لابن عباس : لم فعل ذلك ؟ قال : كيلا يحرج أمته .
وقد اختلف على الأعمش في إسناد هذا الحديث ، وفي لفظه - أيضا - :
فقال كثير من أصحاب الأعمش ، عنه فيه : من غير خوف ولا مطر .
ومنهم من قال عنه : من غير خوف ولا ضرر .
ومنهم من قال : ولا عذر .
وذكر البزار ، أن لفظة " المطر " تفرد بها حبيب ، وغيره لا يذكرها . قال : على أن عبد الكريم قد قال نحو ذلك .
وكذلك تكلم فيها ابن عبد البر
.
وروينا من طريق عبد الحميد بن مهدي البالسي : حدثنا المعافى بن سليمان الجزري : ثنا محمد بن سلمة : ثنا أبو عبد الرحيم ، عن زيد بن [أبي أنيسة ، عن] أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة من غير مطر ولا قر الظهر والعصر جمعا . قلت له : لم فعل ذلك ؟ قال ابن عباس : أراد أن لا يحرج أمته .
وعن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس - مثله .
ولكن ؛ عبد الحميد هذا ، قال فيه الحافظ عبد العزيز النخشبي : عنده مناكير
.
وأما رواية عبد الله بن شقيق ، فمن طريق الزبير بن الخريت ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت [3/86] النجوم ، وجعل الناس يقولون : الصلاة الصلاة . قال : فجاءه رجل من بني تميم ، لا يفتر ولا ينثني : الصلاة الصلاة . فقال ابن عباس : أتعلمني السنة لا أم لك ؟ ثم قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء .
قال عبد الله بن شقيق : فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة ، فسألته فصدق مقالته .
خرجه مسلم .
وخرجه - أيضا - من رواية عمران بن حدير ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : قال رجل لابن عباس : الصلاة ، فسكت ، ثم قال : الصلاة ، فسكت ، ثم قال : الصلاة ، فسكت ، ثم قال : لا أم لك ، تعلمنا الصلاة ؟! كنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وأما رواية عكرمة ، فمن طريق الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقيما غير مسافر سبعا وثمانيا .
خرجه الإمام أحمد .
وفي رواية أشعث بن سوار - وفيه ضعف - ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بالمدينة ، من غير خوف ولا مطر ، أراد التخفيف عن أمته .
وأما رواية عطاء بن يسار ، فمن رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، من غير مرض ولا مطر . فقيل لابن عباس : ما أراد بذلك ؟ قال : التوسعة على أمته .
[3/87] خرجه حرب الكرماني ، عن يحيى الحماني ، عن عبد الرحمن ، به .
وعبد الرحمن ، فيه ضعف .

وأما رواية صالح مولى التوأمة ، فذكرها أبو داود تعليقا . وفيها : من غير مطر .
وخرجها الإمام أحمد من طريق داود بن قيس ، عن صالح مولى التوأمة ، عن ابن عباس ، قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، في غير مطر ولا سفر . قالوا : يا ابن عباس ، ما أراد بذلك ؟ قال : التوسع على الأمة .
وصالح ، مختلف في أمره ، وفي سماعه من ابن عباس -
أيضا .
وفي الباب أحاديث أخر ، في أسانيدها مقال .
وخرج النسائي من رواية يحيى بن هانئ المرادي : حدثنا أبو حذيفة ، عن عبد الملك بن محمد بن أبي بشير ، عن عبد الرحمن بن علقمة ، قال : قدم وفد ثقيف على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأهدوا له هدية ، وقعد معهم يسألهم ويسألونه ، حتى صلى الظهر مع العصر .
قال الدارقطني : عبد الملك وأبو حذيفة مجهولان . وعبد الرحمن بن علقمة لا تصح صحبته ولا يعرف
.
وقد اختلفت مسالك العلماء في حديث ابن عباس هذا ، في الجمع من غير خوف ولا سفر ، ولهم فيه مسالك متعددة :
المسلك الأول : أنه منسوخ بالإجماع على خلافه ، وقد حكى الترمذي في [3/88] آخر " كتابه " أنه لم يقل به أحد من العلماء .
وهؤلاء لا يقولون : إن الإجماع ينسخ ، كما يحكى عن بعضهم ، وإنما يقولون : هو يدل على وجود نص ناسخ .
المسلك الثاني : معارضته بما يخالفه ، وقد عارضه الإمام أحمد بأحاديث المواقيت ، وقوله : " الوقت ما بين هذين " ، وبحديث أبي ذر في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ، وأمره بالصلاة في الوقت ، ولو كان الجمع جائزا من غير عذر لم يحتج إلى ذلك ، فإن أولئك الأمراء كانوا يجمعون لغير عذر ، ولم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل ، ولا صلاة الليل إلى النهار .
وكذلك في حديث أبي قتادة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال لما ناموا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس : " ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى " .
خرجه مسلم .
وخرجه أبو داود ، وعنده : " إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى " .
وقد عارض بعضهم حديث ابن عباس هذا بحديث آخر يروى عنه ، وقد أشار إلى هذه المعارضة الترمذي وابن شاهين ، وهو من رواية حنش ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر " .
خرجه الترمذي .
وقال : حنش هذا هو أبو علي الرحبي ، وهو حسين بن قيس ، وهو ضعيف [3/89] عند أهل الحديث ، ضعفه أحمد وغيره ، والعمل على هذا عند أهل العلم .
يعني : على حديث حنش مع ضعفه .
وخرجه الحاكم وصححه ، ووثق حنشا ، وقال : هو قاعدة في الزجر عن الجمع بلا عذر .
ولم يوافق على تصحيحه .
وقال العقيلي : ليس لهذا الحديث أصل .
ورواه بعضهم ، وشك في رفعه ووقفه .
كذلك خرجه الحارث بن أبي أسامة .
ولعله من قول ابن عباس
.
وقد روي مثله عن عمر وأبي موسى :
وروى وكيع ، عن سفيان ، عن هشام ، عن رجل ، عن أبي العالية ، عن عمر بن الخطاب ، قال : الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر .
وعن أبي هلال الراسبي ، عن حنظلة السدوسي ، عن أبي موسى ، قال : الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر .
المسلك الثالث : حمله على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر الظهر إلى آخر وقتها ، فوقعت في آخر جزء من الوقت ، وقدم العصر في أول وقتها ، فصلاها في أول جزء من الوقت ، فوقعت الصلاتان مجموعتين في الصورة ، وفي المعنى كل صلاة وقعت في وقتها ، وفعل هذا ليبين جواز تأخير الصلاة [إلى] آخر وقتها .
وقد روي من حديث معاذ بن جبل ، أن جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين بتبوك كان على هذا الوجه - أيضا .
[3/90] خرجه الطبراني في " أوسطه " بإسناد في ضعف
.
وقد سبق عن عمرو بن دينار وأبي الشعثاء ، أنهما حملا الحديث على هذا الوجه ، كما خرجه مسلم ، وأشار إليه الإمام أحمد وغيره .
وعلى مثل ذلك حمل الجمع بين الصلاتين في السفر بغير عرفة والمزدلفة من لا يرى الجمع في السفر ، منهم : سفيان الثوري وغيره من الكوفيين .
والمسلك الرابع : أن ذلك كان جمعا بين الصلاتين لمطر ، وهذا هو الذي حمله عليه أيوب السختياني كما في رواية البخاري ، وهو الذي حمله عليه مالك - أيضا .
ومن ذهب إلى هذا المسلك فإنه يطعن في رواية من روى : " من غير خوف ولا مطر " كما قاله البزار وابن عبد البر وغيرهما .
ومن حمل الحديث على هذا فإنه يلزم من قوله جواز الجمع في الحضر للمطر بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وقد اختلف في ذلك :
فأما الجمع بين العشاءين للمطر ، فقد روي عن ابن عمر .
روى مالك ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يجمع في الليلة المطيرة .
وقد رويناه من طريق سفيان بن بشير ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا - ، ولا يصح رفعه .
وفيه حديث آخر مرفوع من رواية أولاد سعد القرظ ، عن آبائهم ، عن أجدادهم ، عن سعد القرظ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين المغرب والعشاء في المطر .
[3/91] خرجه الطبراني .
وإسناده ضعيف .
قال يحيى في أولاد سعد القرظ : كلهم ليسوا بشيء
.
وممن رأى الجمع للمطر : مالك في المشهور عنه ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور .
وروي عن عمر بن عبد العزيز ، عن فقهاء المدينة السبعة .
وعن مالك رواية : لا يجوز الجمع للمطر إلا في المدينة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لفضله ، ولأنه ينتاب من بعد ، فيجمع بينهما بعد مغيب الشفق ، وليس بالمدينة غيره .
والمشهور عنه الأول .
وأصل هذا : أن الأمراء بالمدينة كانوا يجمعون في الليلة المطيرة ، فيؤخرون المغرب ويجمعون بينها وبين العشاء قبل مغيب الشفق ، وكان ابن عمر يجمع معهم ، وقد علم شدة متابعة ابن عمر للسنة ، فلو كان ذلك محدثا لم يوافقهم عليه البتة .
وقد نص على أن جمع المطر يكون على هذا الوجه المذكور قبل مغيب الشفق : مالك وأحمد وإسحاق .
وقيل لأحمد : فيجمع بينهما بعد مغيب الشفق ؟ قال : لا ، إلا قبل ، كما فعل ابن عمر . وقال : يجمع إذا اختلط الظلام .
وأما الجمع بين الظهر والعصر في المطر ، فالأكثرون على أنه غير جائز : وقال أحمد : ما سمعت فيه شيئا . وأجازه الشافعي إذا كان المطر نازلا ، وبه قال أبو ثور ، هو رواية عن أحمد .
[3/92] والعجب من مالك - رحمه الله - كيف حمل حديث ابن عباس على الجمع للمطر ، ولم يقل به في الظهر والعصر ، والحديث صريح في جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء ؟!
المسلك الخامس : أن الذي نقله ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان في السفر لا في الحضر ، كما في رواية قرة ، عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن ذلك كان في غزوة تبوك ، وقد خرجه مسلم كما تقدم .
وكذلك روى عبد الكريم ، عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ، أخبروه عن ابن عباس ، أنه أخبرهم ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين المغرب والعشاء في السفر من غير أن يعجله شيء ، ولا يطلبه عدو ، ولا يخاف شيئا .
ولكن عبد الكريم هذا ، هو : أبو أمية ، وهو ضعيف جدا
.
وأكثر رواة حديث ابن عباس ذكروا أن جمعه كان بالمدينة ، وهم أكثر وأحفظ .
والمسلك السادس : أن جمعه ذلك كان لمرض .
وقد روي عن الإمام أحمد ، أنه قال : هذا عندي رخصة للمريض والمرضع .
وقد اختلف في جمع المريض بين الصلاتين :
فرخص فيه طائفة ، منهم : عطاء والنخعي والليث وأحمد وإسحاق .
وكذلك جوزه مالك للمضطر في [رمضة] ، فإن جمع لغير ضرورة أعاد في الوقت عنده ، وعند أبي حنيفة .
والشافعي لا يبيح من المرض الجمع بين الصلاتين بحال .
واستدل من أباح الجمع للمريض ، بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المستحاضة أن تجمع بين [3/93] الصلاتين بغسل واحد ؛ لمشقة الغسل عليها لكل صلاة ، وذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث حمنة بنت جحش وعائشة وأسماء بنت عميس ، وفي أسانيدها بعض شيء .
وأمر به : علي وابن عباس ، وهو قول عطاء والنخعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق .
والمسلك السابع : أن جمعه كان لشغل ، وفي رواية حبيب بن أبي حبيب ، عن عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أنه جمع من شغل ، كما خرجه النسائي وقد سبق .
وكذلك في حديث عبد الرحمن بن علقمة ، أن وفد ثقيف شغلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وخرج النسائي من رواية سالم ، عن ابن عمر ، أنه لما استصرخ على امرأته صفية أسرع السير ، وجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا حضر أحدكم أمرا يخشى فوته فيصلي هذه الصلاة " .
وخرجه النسائي ، وفي رواية له : " إذا حضر أحدكم الأمر الذي يخاف فواته ، فليصل هذه الصلاة " .
وقد نص أحمد على جواز الجمع بين الصلاتين للشغل .
قال القاضي وغيره من أصحابنا : مراده : الشغل الذي يباح معه ترك الجمعة والجماعة .
وفي ذلك نظر .
وعن ابن سيرين : لا بأس بالجمع بين الصلاتين للحاجة والشيء ما لم يتخذ عادة .
[3/94] المسلك الثامن : حمل الحديث على ظاهره ، وأنه يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر بالكلية ، وحكي ذلك عن ابن عباس وابن سيرين ، وعن أشهب صاحب مالك .
وروى ابن وهب وغيره ، عن مالك أن آخر وقت الظهر والعصر غروب الشمس .
قال ابن عبد البر : وهذا محمول عند أصحابه على أهل الضرورات كحائض تطهرت ، ومغمى عليه يفيق .
وحكى - أيضا - عن طاوس : امتداد الظهر والعصر إلى غروب الشمس .
وعن عطاء : امتدادهما إلى أن تصفر الشمس .
وكذلك روي عن عطاء وطاوس أن وقت المغرب والعشاء لا يفوت حتى يطلع الفجر .
وحكي معنى ذلك عن ربيعة ، وأن الوقتين مشتركان ، وأن وقت الصلاتين يمتد إلى غروب الشمس .
وحكي عن أهل الحجاز جملة .
وعده الأوزاعي مما يجتنب من أقوالهم ، فروى الحاكم ، عن الأصم : أخبرنا العباس بن الوليد البيروتي : ثنا أبو عبد الله بن بحر ، قال : سمعت الأوزاعي يقول : يجتنب من قول أهل العراق : شرب المسكر ، والأكل عند الفجر في رمضان ، ولا جمعة إلا في سبعة أمصار ، وتأخير صلاة العصر حتى يكون ظل كل شيء أربعة أمثاله ، والفرار يوم الزحف . ومن قول أهل الحجاز : استماع الملاهي ، والجمع بين الصلاتين من غير عذر ، والمتعة بالنساء ، والدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين ، وإتيان النساء في أدبارهن .
[3/95] قال الأثرم في " كتاب العلل " : قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد - أي شيء تقول في حديث ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ثمانيا جميعا وسبعا جميعا ، من غير خوف ولا سفر ؟
فقال : ابن عباس كما ترى قد أثبت هذا - أو صححه - ، وغيره يقول - ابن عمر ومعاذ وغير واحد - ، يقولون : إنه في السفر . فقلت : أيفعله الإنسان ؟ فقال : إنما فعله لئلا يحرج أمته
.
وذكر الأثرم نحوه في " كتاب مسائله لأحمد " ، وزاد : قال أحمد : أليس قال ابن عباس : أن لا يحرج أمته ، إن قدم رجل أو أخر - نحو هذا .
وهذا الذي زاده في " كتاب المسائل " يبين أن أحمد حمله على تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها ، وتقديم الثانية إلى أول وقتها ، كما حمله على ذلك أبو الشعثاء وعمرو بن دينار وغيرهما كما سبق . والله أعلم .
وقول ابن عباس : " من غير خوف ولا سفر " ، يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف والسفر ، فأما الجمع للسفر فيأتي الكلام فيه في موضعه - إن شاء الله تعالى - ، وأما الجمع للخوف للحضر فظاهر حديث ابن عباس جوازه .
وقد اختلف العلماء في جواز تأخير الصلاة عن وقتها بالكلية ، وإن لم تكن مما تجمع ، كتأخير صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، والعصر حتى تغرب الشمس ، إذا اشتد الخوف .
وفيه عن أحمد روايتان .
فتأخير الصلاتين المجموعتين إلى وقت الثانية وتقديمها في أول وقت الأولى إذا احتيج إلى ذلك في الخوف أولى بالجواز ، بل لا ينبغي أن يكون في جوازه خلاف عند من يبيح الجمع للسفر والمرض والمطر ، ونحو ذلك من الأعذار الخفيفة .
[3/96] وعن أحمد روايتان في جواز الفطر في الحضر للقتال ، ومن أصحابنا من طردهما في قصر الصلاة أيضا .
وقد حكى أبو عبيد في " غريبه " عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - جواز قصر الصلاة في الحضر للخوف .
فالجمع أولى بالجواز . والله أعلم .