باب إجابة دعاء من بر والديه

أي هذا باب يذكر فيه إجابة دعاء أي قبول دعاء من بر والديه ، أي من أحسن إليهما وقام بطاعتهما .
5 - حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل ، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم ، فقال بعضهم لبعض : انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها ، فقال أحدهم : اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ، ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم ، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي ، وإنه نأى بي الشجر ، فما أتيت حتى أمسيت ، فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب ، فجئت بالحلاب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما ، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما ، والصبية يتضاغون عند قدمي ، فلم يزل ذاك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ، ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء ، وقال الثاني : اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء ، فطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار ، فسعيت حتى جمعت مائة دينار فلقيتها بها ، فلما قعدت بين رجليها قالت : يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم ، فقمت عنها ، اللهم فإن كنت تعلم أني قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها ، ففرج لهم فرجة ، وقال الآخر : اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز ، فلما قضى عمله قال : أعطني حقي ، فعرضت عليه حقه فتركه ورغب عنه ، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها ، فجاءني فقال : اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي ، فقلت : اذهب إلى ذلك البقر وراعيها ، فقال : اتق الله ولا تهزأ بي ، فقلت : إني لا أهزأ بك ، فخذ ذلك البقر وراعيها ، فأخذه فانطلق بها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ما بقي ، ففرج الله عنهم .

مطابقته للترجمة ظاهرة في الرجل الأول من الثلاثة ، والحديث قد مضى في كتاب البيوع في باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه ، فإنه أخرجه هناك عن يعقوب بن إبراهيم ، عن ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، ومضى أيضا في المزارعة في باب إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم ، فإنه أخرجه هناك عن إبراهيم بن المنذر ، عن أبي ضمرة ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، إلى آخره ، ومضى الكلام فيه ، ولنذكر بعض شيء لبعد المسافة .
قوله : " ثلاثة نفر " النفر عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة ، قوله : " فمالوا إلى غار " ويروى فأووا إلى غار وهو الكهف ، قوله : " على فم غارهم " وفي رواية الكشميهني على باب غارهم ، قوله : " فأطبقت " في رواية الكشميهني فتطابقت من أطبقت الشيء إذا غطيته ، وطبق الغيم إذا أصاب مطره جميع الأرض ، قوله : " لعله يفرجها " بكسر الراء ، وقال ابن التين : وكذا قرأناه ، قوله : " صبية " جمع صبي وهو الغلام ، قوله : " فإذا رحت " من الرواح وهو المجيء آخر النهار ، قوله : " نأى بي الشجر " بالشين المعجمة والجيم عند أكثر الرواة ، ومعناه تباعد عن مكاننا الشجر التي ترعاها مواشينا ، وفي رواية الكشميهني السحر بالمهملتين ، قوله : " أحلب " بضم اللام ، قوله : " بالحلاب " بكسر الحاء المهملة [22/86] وتخفيف اللام وبالباء الموحدة أي المحلوب ، وقيل هو الإناء التي يحلب فيها ، قوله : " أن أوقظهما " بضم الهمزة من الإيقاظ ، قوله : " يتضاغون " بالضاد وبالغين المعجمتين أي يصيحون من ضغا إذا صاح ، وكل صوت ذليل مقهور يسمى ضغوا ، تقول ضغا يضغو ضغوا وضغاء ، وقال الداودي : يتضاغون أي يبكون ويتوجعون ، قيل : نفقة الأولاد مقدمة على نفقة الأصول ، وأجيب بأن دينهم لعله كان بخلاف ذلك أو كانوا يطلبون الزائد على سد الرمق أو كان صياحهم لغير ذلك ، قوله : " فافرج لنا فرجة " بضم الفاء من فرجة الحائط وهو المراد هنا ، وأما الفرجة بالفتح فهي عن الكرب والهم ، قوله : " حتى يرون " وفي رواية الحموي حتى رأوا ، قوله : " ما يحب الرجال " وفي رواية الكشميهني الرجل بالإفراد ، قوله : " ولا تفتح الخاتم " كناية عن إزالة البكارة ، قوله : " اللهم " كرر هذه اللفظة ؛ لأن هذا المقام أصعب المقامات ، فإنه ردع لهوى النفس ، قوله : " بفرق " بفتح الراء وقد تسكن ، وأنكر القتبي إسكانها ، وهو مكيل معروف بالمدينة ستة عشر رطلا ، قوله : " أرز " قد مر فيما مضى أن فيه تسع لغات .
فإن قلت : في باب البيوع من ذرة وهنا ، وفي باب الإجارة فرق أرز ، قلت : لعله كان بعضه من ذرة وبعضه من أرز ، قوله : " اذهب إلى ذلك البقر " ذكر اسم الإشارة باعتبار السواد المرئي ، وأنث الضمير الراجع إلى البقر باعتبار جمعية الجنس ، قوله : " فأخذه وانطلق بها ، ذكر الضمير في أخذه وأنثه في بها ، ووجهه ما ذكرناه ، ويروى : "فأخذها" ، وروي : "فخذ تلك البقر" .