باب يبل الرحم ببلالها

أي هذا باب يذكر فيه يبل الرحم ببلالها ، ولفظ يبل على بناء المعلوم وفاعله محذوف تقديره يبل الشخص المكلف ، والرحم منصوب على أنه مفعول يبل ، ويجوز أن يكون يبل على صيغة المجهول مسندا إلى الرحم المرفوع به ، قوله : " ببلالها " بكسر الباء الموحدة ، وكل ما يبل به الحلق من الماء واللبن يسمى بلالا ، وقد يجمع البلة بالكسر وهي النداوة على بلال ، وقال الخطابي : البلال مصدر بللت الرحم أبله بلالا ، وبلالا بالكسر والفتح إذا نديتها بآلة .
19 - حدثنا عمرو بن عباس ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، أن عمرو بن العاص قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول : إن آل أبي فلان - قال عمرو : في كتاب محمد بن جعفر بياض - ليسوا بأوليائي ، إنما وليي الله وصالح المؤمنين .
زاد عنبسة بن عبد الواحد ، عن بيان ، عن قيس ، عن عمرو بن العاص قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم : ولكن لهم رحم أبلها ببلالها ، يعني أصلها بصلتها .


مطابقته للترجمة في قوله : " أبلها ببلالها " .
وعمرو بفتح العين أبو عثمان البصري ، ومحمد بن جعفر هو غندر ، وإسماعيل بن أبي خالد البجلي الكوفي ، واسم أبي خالد سعد ويقال هرمز ، وقيس بن أبي حازم بالحاء المهملة والزاي واسمه عوف البجلي ، قدم المدينة بعدما قبض النبي صلى الله عليه وسلم .
والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن أحمد بن حنبل ، عن غندر به .
قوله : " جهارا " أي سمعت سماعا جهارا ، المعنى كان المسموع في حال الجهار دون السر ، وهذا للتأكيد ، ويحتمل أن يكون المعنى أقول ذلك جهارا لا سرا ، قوله : " يقول " أي النبي صلى الله عليه وسلم : إن آل أبي فلان ، هكذا في رواية المستملي ، وفي رواية غيره : إن آل أبي بحذف ما يضاف إلى أداة الكنية ، ووقع في رواية مسلم كرواية المستملي ، وذكر القرطبي أنه وقع في أصل مسلم موضع فلان بياض ، ثم كتب بعض الناس فيه فلان على سبيل الإصلاح ، وفلان كناية عن اسم علم ؛ ولهذا وقع لبعض رواته : قال أبي ، يعني فلان ، ولبعضهم أنه قال : أبي فلان بالجزم ، قوله : " قال عمرو " هو ابن عباس شيخ البخاري ، فيه قوله : " في كتاب محمد بن جعفر " وهو غندر شيخ عمر والمذكور فيه ، قوله : " بياض " قال عبد الحق في كتاب الجمع بين الصحيحين ، الصواب في ضبط هذه الكلمة بالرفع ، أي وقع في كتاب محمد بن جعفر موضع أبيض يعني بغير كتابة ، وفهم بعضهم منه أنه الاسم المكنى عنه في الرواية فقرأه بالجر على أنه في كتاب محمد بن جعفر : أن آل أبي بياض ، وهو فهم بعيد سيء لأنه لا يعرف في العرب قبيلة يقال لها آل أبي بياض فضلا عن قريش ، وسياق الحديث يشعر بأنهم من قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم وهي قريش ، بل فيه إشعار بأنهم أخص من ذلك لقوله : إن لهم لرحما ، وأبعد من ذلك من حمله على بني بياضة وهم بطن من الأنصار لما فيه من التغيير والترخيم الذي لا يجوزه الأكثرون ، وقال عياض : إن المكنى عنه هو الحكم بن أبي العاص ، قوله : " ليسوا بأوليائي " كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية لأبي ذر بأولياء ، ونقل ابن التين عن الداودي أن المراد بهذا النفي من لم يسلم منهم فيكون هذا من إطلاق الكل وإرادة البعض ، وقال الخطابي : الولاية المنفية ولاية القرب والاختصاص لا ولاية الدين ، قوله : " وصالح المؤمنين " كذا في رواية الأكثرين بإفراد صالح ، ووقع في رواية البرقاني : وصالحو المؤمنين ، بالجمع ، وقال الزمخشري : هو واحد وأريد به الجمع لأنه جنس ، ويجوز أن يكون أصله وصالحوا المؤمنين بالواو فكتب بغير اللفظ على الواو ، وقال النووي : معنى الحديث أن وليي [22/95] من كان صالحا وإن بعد نسبه مني ، وليس ولي من كان غير صالح وإن قرب نسبه مني .
وقال القرطبي : فائدة الحديث انقطاع الولاية بين المسلم والكافر ولو كان قريبا جميعا ، وقال الطيبي شيخ شيخي : المعنى أني لا أوالي أحدا بالقرابة وإنما أحب الله لما له من الحق الواجب على العباد ، وأحب صالح المؤمنين لوجه الله تعالى ، وأوالي من أوالي بالإيمان والصلاح سواء كانوا من ذوي رحمي أم لا ولكن أراعي لذوي الرحم حقهم لصلة الرحم ، هذا من فحول الكلام ومن فحول العلماء .
وقد اختلفوا في المراد بقوله تعالى وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ على أقوال ، الأول : الأنبياء ، أخرجه الطبري عن قتادة ، الثاني : الصحابة ، أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي ، الثالث : خيار المؤمنين ، أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك ، الرابع : أبو بكر وعمر وعثمان ، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن البصري ، الخامس : أبو بكر وعمر ، أخرجه الطبري عن ابن مسعود مرفوعا وسنده ضعيف ، السادس : عمر خاصة ، أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير ، السابع : أبو بكر خاصة ، ذكره القرطبي عن المسيب بن شريك ، الثامن : علي ، أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد .
قوله : " زاد عنبسة بن عبد الواحد " أي ابن أمية بن عبد الله بن سعيد بن العاص بن أحيحة بمهملتين مصغرا ، وكان يعد من الأبدال ، وما له في البخاري سوى هذا الموضع المعلق ، ووصله البخاري في كتاب البر والصلة فقال : حدثنا محمد بن عبد الواحد بن عنبسة ، حدثنا جدي فذكره ، قوله : " عن بيان " بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء آخر الحروف وبالنون ابن بشر بالشين المعجمة الأحمسي ، قوله : " عن قيس " هو قيس بن أبي حازم المذكور ، قوله : " لهم " أي لآل أبي فلان ، قوله : " رحم " أي قرابة ، قوله : " أبلها " أي أنديها ببلالها أي بما يجب أن تندى به ، ومنه بلوا أرحامكم أي ندوها أي صلوها ، يقال للوصل بلل لأنه يقتضي الاتصال ، والقطيعة يبس لأنه يقتضي الانفصال ، قوله : " يعني أصلها بصلتها " هذا التفسير قد سقط من رواية النسفي ، ووقع عند أبي ذر وحده أبلها ببلالها وبعده في الأصل ، كذا وقع وببلالها أجود وأصح ، وببلائها لا أعرف له وجها انتهى ، حاصل هذا أن البخاري قال : وقع في كلام هؤلاء الرواة ببلائها بالهمزة بعد الألف ، ولو كان ببلالها باللام لكان أجود وأصح ، يعني قال ولا أعرف لبلائها وجها ، وقال الكرماني : يحتمل أن يقال وجهه أن البلاء جاء بمعنى المعروف والنعمة ، وحيث كان الرحم مصرفها أضيف إليها بهذه الملابسة فكأنه قال أبلها بمعروفها اللائق بها ، ووجه أيضا الداودي هذه الرواية على تقدير ثبوتها بأن المراد ما أوصله إليها من الأذى على تركهم الإسلام ، ورد عليه ابن التين بأنه لا يقال في الأذى أبله ، وفيه نظر لا يخفى .