باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحها

أي هذا باب فيه ذكر من ترك إلى آخره ، قوله : " حتى تلعب " أي تركها إلى أن تلعب ببعض جسده ، قوله : " أو قبلها " من التقبيل ، وهذا من تقبيل الشفقة ؛ لأن التقبيل على أنواع ، قوله : " أو مازحها من الممازحة من باب المفاعلة الذي يقتضي الاشتراك من الجانبين ، والأوجه أن يكون مازح هنا بمعنى مزح ؛ لأن المزح ما يتصور من كل صغير ، وقال بعضهم : والذي [22/97] يظهر أن ذكر المزح بعد التقبيل من العام بعد الخاص ، قلت : ليس كذلك ؛ لأن لكل واحد من التقبيل والمزاح معنى خاصا ، وليس بينهما عموم وخصوص ، والمزح الدعاء به ، يقال : مزح يمزح والاسم المزاح بالضم والمزاحة أيضا ، وأما المزح بالكسر فهو مصدر .
22 - حدثنا حبان ، أخبرنا عبد الله ، عن خالد بن سعيد ، عن أبيه ، عن أم خالد بنت خالد بن سعيد ، قالت : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي وعلي قميص أصفر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سنه سنه ، قال عبد الله : وهي بالحبشية حسنة ، قالت : فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعها ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ، قال عبد الله : فبقيت حتى ذكر ، يعني من بقائها .

مطابقته للترجمة في قوله : " فذهبت ألعب " وقال ابن التين : ليس المراد في الخبر المذكور في الباب للتقبيل ذكر ، وأجيب بأنه يحتمل أن يكون أخذه من القياس ، فإنه لما لم ينهها عن مس جسده صار كالتقبيل ، وفيه تأمل ، وحبان بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة ابن موسى أبو محمد السلمي المروزي ، شيخ مسلم أيضا ، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، وخالد بن سعيد يروي عن أبيه سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي ، وهو من أفراد البخاري ، وأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس ، وهي مشهورة بكنيتها واسمها أمة وأمها أميمة ويقال هميمة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة من خزاعة ، تزوج أمة بنت خالد بن الزبير بن العوام ، وخالد بن سعيد المذكور أسلم قديما ، يقال إنه أسلم بعد أبي بكر رضي الله تعالى عنه فكان ثالثا أو رابعا وقيل خامسا ، هاجر إلى أرض الحبشة مع امرأته الخزاعية وولد له بها ابنه سعيد بن خالد وابنته أم خالد ، وحديث أم خالد هذه قد تقدم بوجوه مختلفة في الجهاد وهجرة الحبشة وفي اللباس ، قوله : " سنه " بفتح السين المهملة وتخفيف النون ، قال الكرماني : وقيل بتشديدها ، قوله : " بخاتم النبوة " هو ما كان مثل زر الحجلة بين كتفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، قوله : " فزبرني " أي نهرني من الزبر بالزاي في أوله والباء الموحدة وهو الزجر والمنع .
قوله : " أبلي وأخلقي " كلاهما أمر فأبلي من أبليت الثوب إذا جعلته عتيقا ، وأخلقي من الإخلاق ومن الثلاثي أيضا بمعناه ، وقال الداودي يستفاد منه مجيء ثم للمقارنة ، ومنعه بعض النحاة فقالوا : لا تأتي إلا للتراخي ، وقال ابن التين : ما علمت أن أحدا قال أن ثم للمقارنة ، وإنما هي للترتيب بالمهملة ، قال : وليس في الحديث ما ادعاه من المقارنة ؛ لأن الإبلاء يكون بعد الخلق أو الخلف ، وقال بعضهم : لعل الداودي أراد بالمقارنة العاقبة فيتجه بعض اتجاه ، قلت : آفة التصرف من الفهم السقيم ، فهل المعاقبة إلا المقارنة ، قلت : قد جوز بعض النحاة مجيء ثم بمعنى الواو ، واستدل بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه " .
قوله : " قال عبد الله " هو ابن المبارك المذكور ، وهو متصل بالإسناد المذكور ، قوله : " فبقيت " أي أم خالد المذكورة ، هذه رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره فبقي أي الثوب وهو القميص المذكور ، قوله : " حتى ذكر " أي القميص ، أي حتى صار مذكورا بين الناس لخروج بقائه عن العادة ، قاله الكرماني ، وقال بعضهم بعد أن ذكر ما قاله الكرماني : فإنه قرأ ذكر بضم أوله لكنه لم يقع عندنا في الرواية إلا بالفتح ، قال : ووقع في رواية أبي علي بن السكن حتى ذكر دهرا ، وهو يؤيد ما قدمته انتهى ، قلت : الذي قاله الكرماني هو الصحيح ؛ لأن قوله : " حتى ذكر " مجهول لأن المعنى على هذا ، وإذا جعل معلوما ما يكون فاعله ، وكلام ابن السكن يؤيد كلام الكرماني ، ولا يقرب مما قاله هذا القائل فضلا عن أن يؤيده ، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني : حتى دكن بدال مهملة وكاف مكسورة وبنون ، أي حتى صار أدكن أي أسود ، والمعنى حتى دكن القميص ، وقال الكرماني : أي عاشت أم خالد عيشا طويلا حتى تغير لون قميصها إلى الاسوداد ، والدكنة لون يضرب إلى السواد .
قوله : " يعني من بقائها " يعني كون هذا القميص مذكورا دهرا من أجل بقائها ، أي من أجل بقاء أم خالد زمانا طويلا ، وفيه معجزة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وفيه جواز مباشرة الرجل الصغيرة التي [22/98] لا يشتهى مثلها وممازحتها وإن لم تكن منه بذات محرم ، وكان مزح النبي صلى الله عليه وسلم حقا ، فمن ذلك يجوز المزح إذا كان حقا ، وأما إذا كان بغير حق فإنه يؤدي إلى الفاحشة فلا يجوز ، وفيه تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وحلمه حيث لم ينهر أم خالد ، عن لعب خاتم النبوة .