|
باب جعل الله الرحمة مائة جزء
أي هذا باب يذكر فيه جعل الله الرحمة مائة جزء ، والترجمة ببعض الحديث ، وفي رواية النسفي باب من الرحمة ، وعند الإسماعيلي باب بغير ترجمة ، وقال بعضهم : باب بالتنوين ، قلت : تكرر هذا القول منه عند ذكر الأبواب المجردة ، ولا يصح هذا إلا بمقدر ؛ لأن الإعراب يقتضي التركيب . 29 - حدثنا الحكم بن نافع البهراني ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرنا سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : جعل الله الرحمة مائة جزء ، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا ، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق ، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه .
مطابقته للترجمة ظاهرة . والحكم بفتحتين ابن نافع هو أبو اليمان ، وقد ذكره البخاري في مواضع كثيرة بكنيته ، وهاهنا ذكره باسمه ولم يذكر باسمه إلى هاهنا إلا في هذا الموضع ، وذلك على قدر سماعه ، وهذا السند بهؤلاء الرجال تكرر جدا . والحديث أخرجه مسلم من طريق عطاء ، عن أبي هريرة " إن لله مائة رحمة " وله من حديث سلمان " إن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السماوات والأرض ، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض " وقال القرطبي : يجوز أن يكون معنى خلق اخترع وأوجد ، ويجوز أن يكون بمعنى قدر قد ورد خلق بمعنى قدر في لغة العرب فيكون المعنى أن الله أظهر تقديره لذلك يوم أظهر تقدير السماوات والأرض . قوله : " مائة جزء " ويروى " في مائة جزء " وكلمة " في " في هذه الرواية زائدة كما في قوله : أي الرحمن لهم كاف ، قوله : " فأمسك عنده " وفي رواية عطاء " وأخر عنده تسعة وتسعين رحمة " قيل رحمة الله غير متناهية لا مائة ولا مائتان ، وأجيب بأن الرحمة عبارة عن القدرة المتعلقة بإيصال الخير ، والقدرة صفة واحدة والتعلق غير متناه ، فحصره في مائة على سبيل التمثيل تسهيلا للفهم وتقليلا لما عندنا وتكثيرا لما عنده ، قوله : " وأنزل في الأرض " كان القياس أن يقال إلى الأرض ولكن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض ، وفيه تضمين ، والغرض منه المبالغة ، يعني أنزلها منتشرة في جميع الأرض ، فإن قلت : ما الحكمة في تعيين المائة من بين الأعداد ولم تجر عادة العرب إلا في السبعين ، قلت : أجيب بأنه أطلق هذا العدد الخاص لإرادة التكثير والمبالغة ، والسبعون من أجزاء المائة ، وقيل ثبت أن نار الآخرة تفضل نار الدنيا بتسعة وستين جزءا ، فإذا قوبل كل جزء برحمة زادت الرحمات ثلاثين جزءا ، فيؤخذ منه أن الرحمة في الآخرة أكثر من النقمة فيها ، ويؤيده قوله : " غلبت رحمتي غضبي " . قوله : " يتراحم الخلق " بالراء من التفاعل الذي يشترك فيه الجماعة ، قوله : " حتى ترفع الفرس حافرها " الحافر للفرس كالظلف للشاة ، وخص الفرس بالذكر لأنها أشد الحيوان المألوف الذي يعاين المخاطبون حركتها مع ولدها ، ولما في الفرس من الخفة والسرعة في التنقل ، ومع ذلك تتجنب أن يصل الضرر منها إلى ولدها ، وفي رواية عطاء " فيها يتعاطفون وبها [22/102] يتراحمون ، وبهذا يعطف الوحش والطير بعضها على بعض " قوله : " أن تصيبه " كلمة أن مصدرية أي خشية الإصابة .
|
|
|