[3/123] 15 - باب من ترك العصر
553 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا هشام : أبنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح ، قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم ، فقال : بكروا بصلاة العصر ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله "
.

قد سبق القول مبسوطا في حبوط العمل بترك بعض الفرائض وارتكاب بعض المحارم في " كتاب الإيمان " ، وبينا أن أكثر السلف والأمة على القول بذلك ، وإمرار الأحاديث الواردة فيه على ما جاءت من غير تعسف في تأويلاتها ، وبينا أن العمل إذا أطلق لم يدخل فيه الإيمان وإنما يراد به أعمال الجوارح ، وبهذا فارق قول السلف قول الخوارج ؛ فإنهم أحبطوا بالكبيرة الإيمان [والعمل] ، وخلدوا بها في النار ، وهذا قول باطل .
وأما المتأخرون فلم يوافقوا السلف على ما قالوه ، فاضطربوا في تأويل هذا الحديث وما أشبهه ، وأتوا بأنواع من التكلف والتعسف .
فمنهم من قال : ترك صلاة العصر يحبط عمل ذلك اليوم .
ومنهم من قال : إنما يحبط العمل الذي هو تلك الصلاة التي تركها فيفوته أجرها ، وهذا هو الذي ذكره ابن عبد البر .
وهو من أضعف الأقوال ، وليس في الإخبار به فائدة :
ومنهم من حمل هذا الحديث على أن من ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فإنه يصير بذلك كافرا مرتدا ، كما يقول ذلك من يقوله ممن يرى أن [3/124] ترك الصلاة كفر .
وهذا يسقط فائدة تخصيص العصر بالذكر ، فإن سائر الصلوات عنده كذلك .
وقد روي تقييد تركها بالتعمد :
فروى عباد بن راشد ، عن الحسن وأبي قلابة ؛ أنهما كانا جالسين ، فقال أبو قلابة : قال أبو الدرداء : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من ترك صلاة العصر متعمدا حتى تفوته فقد حبط عمله " .
خرجه الإمام أحمد .
وأبو قلابة لم يسمع من أبي الدرداء .
ورواه أبان بن أبي عياش - وهو متروك - ، عن أبي قلابة ، عن أم الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وروى راشد أبو محمد ، عن شهر بن حوشب ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم : " لا تترك صلاة مكتوبة متعمدا ، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة " .
خرجه ابن ماجه .
وخرجه البزار ، ولفظه : " فقد كفر " .
وهذا مما استدل به على كفر تارك الصلاة المكتوبة متعمدا ؛ فإنه لم يفرق بين صلاة وصلاة .
وروى إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن معاذ بن جبل ، قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم فذكره بنحوه ، [3/125] وقال : " فقد برئت منه ذمة الله عز وجل " .
خرجه الإمام أحمد .
ورواه - أيضا - عمرو بن واقد - وهو ضعيف - ، عن يونس بن ميسرة ، عن أبي إدريس ، عن معاذ .
خرجه الطبراني ومحمد بن نصر المروزي .
وخرجه المروزي - أيضا - من طريق سيار بن عبد الرحمن ، عن يزيد بن قوذر ، عن سلمة بن شريح ، عن عبادة بن الصامت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، وقال : " فمن تركها متعمدا فقد خرج من الملة " .
وقال البخاري في " تاريخه " : لا يعرف إسناده
.
وروى مكحول عن أم أيمن ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تتركي الصلاة متعمدا ؛ فإنه من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله " .
خرجه الإمام أحمد .
وهو منقطع ؛ مكحول لم يلق أم أيمن .
ورواه غير واحد ؛ عن مكحول ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا .
ورواه عبد الرزاق ، عن محمد بن راشد ، عن مكحول ، عن رجل ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
[3/126] قال عبد الرزاق : وأبنا شيخ من أهل الشام ، عن مكحول ، قال : ومن برئت منه ذمة الله فقد كفر .
ورواه أبو فروة الرهاوي - وفيه ضعف - ، عن أبي يحيى الكلاعي ، عن جبير بن نفير ، عن أميمة مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه .
خرجه محمد بن نصر المروزي .
وذكر عن محمد بن يحيى الذهلي ، أنه قال : هذه هي أم أيمن ، فقال أبو فروة : أميمة - يعني : أنه أخطأ في تسميتها .
فأسانيد هذا الحديث كلها غير قوية
.
وأما حديث بريدة فصحيح ، وقد رواه عن يحيى بن أبي كثير : هشام الدستوائي والأوزاعي ، فأما هشام فرواه كما خرجه البخاري من طريقه ، وأما الأوزاعي فخالفه في إسناده ومتنه .
أما إسناده : فقيل فيه : عن الأوزاعي : حدثني يحيى ، وثني أبو قلابة : حدثني أبو المهاجر ، عن بريدة .
وخرجه من هذا الوجه الإمام أحمد وابن ماجه .
وقال الإمام أحمد في رواية مهنا : هو خطأ من الأوزاعي ، والصحيح حديث هشام الدستوائي . وذكر - أيضا - أن أبا المهاجر لا أصل له ، إنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة ، كان الأوزاعي يسميه أبا المهاجر خطأ ، وذكره في هذا الإسناد من أصله خطأ ، فإنه ليس من روايته ، إنما هو من رواية أبي المليح ، وكذا قاله الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله .
[3/127] وقيل : عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح ، كما رواه هشام ، عن يحيى .
وخرجه من هذا الوجه الإسماعيلي في " صحيحه " .
وقيل : عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن ابن بريدة .
وقيل : عن الثوري ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي قلابة ، عن بريدة ، بغير واسطة بينهما .
وهذا كله مما يدل على اضطراب الأوزاعي فيه ، وعدم ضبطه .
وأما متنه ، فقال الأوزاعي فيه : إن بريدة قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ، فقال : " بكروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله " .
كذلك خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والإسماعيلي وغيرهم .
فخالف هشاما في ذلك ؛ فإن هشاما قال في روايته : إن أبا المليح قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم ، فقال : بكروا بصلاة العصر ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله " .
فلم يرفع منه غير هذا القدر ، وجعل الذين كانوا معه في الغزوة في يوم الغيم ، والذي أمر بالتكبير بصلاة العصر هو بريدة ، وهو الصحيح .
واللفظ الذي رواه الأوزاعي لو كان محفوظا لكان دليلا على تأخير العصر في غير يوم الغيم ، ولكنه وهم .
وقد خرج البخاري حديث بريدة فيما بعد وبوب عليه : " باب : التبكير بالصلاة في يوم غيم " ، ثم خرج فيه حديث بريدة ، عن معاذ بن فضالة ، عن [3/128] هشام ، فذكره كما خرجه هاهنا ، غير أنه لم يذكر : " في غزوة " ، وقال فيه : عن بريدة : " بكروا بالصلاة " ، ولم يقل : " صلاة العصر " .
قال الإسماعيلي : جعل الترجمة لقول بريدة ، لا لما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان حق هذه الترجمة أن يكون الحديث المقرون بها ما فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بتعجيل العصر في اليوم الغيم .
ثم ذكر حديث الأوزاعي بإسناده ولفظه ، ثم قال : فإن كان هذا الإسناد لا يصح عنده كان ترك هذه الترجمة أولى .

وإنما أراد البخاري قول بريدة في يوم غيم : " بكروا بالصلاة " ، ولهذا ساق الرواية التي فيها ذكر الصلاة ، ولم يسقه كما ساقه في هذا الباب بتخصيص صلاة العصر ، يشير إلى أنه يستحب في الغيم التبكير بالصلوات والقول بالتبكير لجميع الصلوات في يوم الغيم مما لا يعرف به قائل من العلماء ، ولم يرد بريدة ذلك إنما أراد صلاة العصر خاصة ، ولا يقتضي القياس ذلك ، فإن التبكير بالصلوات في الغيم مطلقا يخشى منه وقوع الصلاة قبل الوقت ، وهو محذور ، والأفضل أن لا يصلي الصلاة حتى يتيقن دخول وقتها .
فإن غلب على ظنه ، فهل يجوز له الصلاة حينئذ ، أم لا ؟ فيه قولان :
أحدهما : أنه جائز ، وهو قول الثوري والشافعي وأكثر أصحابنا .
والثاني : لا يجوز حتى يتيقن ، وهو وجه لأصحابنا وأصحاب الشافعي .
واستدل الأولون : بأن جماعة من الصحابة صلوا ثم تبين لهم أنهم صلوا قبل الوقت ، فأعادوا ، منهم : ابن عمر وأبو موسى ، وهذا يدل على أنهم صلوا عن اجتهاد ، وغلب على ظنهم دخول الوقت من غير يقين .
وقال الحسن : شكوا في طلوع الفجر في عهد ابن عباس ، فأمر مؤذنه فأقام الصلاة .
[3/129] خرجه ابن أبي شيبة .
وقال أبو داود : " باب : المسافر يصلي ويشك في الوقت " ، ثم خرج من حديث المسحاج بن موسى ، أن أنسا حدثه ، قال : كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر ، فقلنا : زالت الشمس ، أو لم تزل ، صلى الظهر ثم ارتحل .
والمنصوص عن أحمد : أنه لا يصلي الظهر حتى يتيقن الزوال في حضر ولا سفر ، وكذا قال إسحاق في الظهر والمغرب والصبح ؛ لأن هذه الصلوات لا تجمع إلى ما قبلها .
ولكن وقع في كلام مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة تسمية الظن الغالب يقينا ، ولعل هذا منه . والله اعلم .
وقد اختلف العلماء في الصلاة في يوم الغيم :
فقال الشافعي : ويحتاط ويتوخى أن يصلي بعد الوقت أو يحتاط بتأخيرها ما بينه وبين أن يخاف خروج الوقت . وقال إسحاق نحوه .
ولا يستحب عند الشافعي التأخير في الغيم مع تحقق دخول الوقت ، إلا في حال يستحب التأخير في الصحو كشدة الحر ونحوه .
وحكى بعض أصحابنا مثل ذلك عن الخرقي ، وحكاه - أيضا - رواية عن أحمد .
وعن أبي حنيفة رواية باستحباب تأخير الصلوات كلها مع الغيم .
وقالت طائفة : يؤخر الظهر ويعجل العصر ، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء مع الغيم ، وهو قول أبي حنيفة والثوري وأحمد ، وحكي - أيضا - عن الحسن والأوزاعي ، ونقله ابن منصور عن إسحاق .
[3/130] وقال النخعي : كانوا يؤخرون الظهر ويعجلون العصر ، ويؤخر المغرب في يوم الغيم .
قال ابن المنذر : روينا عن عمر ، أنه قال : إذا كان يوم الغيم فعجلوا العصر وأخروا الظهر .
قال أصحابنا : يستحب ذلك مع تحقق دخول الوقت .
واختلفوا في تعليل ذلك :
فمنهم من علل بالاحتياط لدخول الوقت ، ولو كان الأمر كذلك لاستوت الصلوات كلها في التأخير .
ومنهم من علل بأن يوم الغيم يخشى فيه وقوع المطر ، ويكون فيه ريح وبرد غالبا ، فيشق الخروج إلى الصلاتين المجموعتين في وقتين ، فإذا أخر الأولى وقدم الثانية خرج لهما خروجا واحدا ، فكان ذلك أرفق به ، وهذا قول القاضي أبي يعلى وأصحابه .
واختلفوا : هل يختص ذلك بمن يصلي جماعة ، أو تعم الرخصة من يصلي وحده ؟ وفيه وجهان :
ومن المتأخرين من قال : المعنى في تأخير الأولى من المجموعتين في يوم الغيم وتعجيل الثانية : أن تعجيل الأولى منهما عن الوقت غير جائز ، وتعجيل الثانية جائز في حال الجمع ، والجمع يجوز عند أحمد للأعذار ، والاشتباه في الوقت نوع عذر ؛ فلهذا استحب تأخير الأولى حتى يتيقن دخول الوقت دون الثانية ، فهذا احتياط للوقت لكن مع وقوع الصلاة في الوقت المشترك فكان أولى .
وقد نص أحمد على أن المسافر حال اشتباه الوقت عليه في الصحو - أيضا - يؤخر الظهر ويعجل العصر ؛ لهذا المعنى ، وهو يدل على أن التفريق بين [3/131] المجموعتين في وقت الأولى لا يضر وأن نية الجمع لا تشترط ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في أول " أبواب المواقيت " .
ويدل - أيضا - على أنه يجوز تعجيل الثانية من المجموعتين ، وإن لم يتيقن دخول وقتها ، ويستحب تأخير الأولى منهما حتى يتيقن دخول وقتها في السفر والغيم ، وهذا أشبه بكلام الإمام أحمد .
ومن أصحابنا من استحب تأخير الظهر وتعجيل العصر في الغيم دون المغرب لما في تأخيرها من الكراهة ؛ فإن وقتها مضيق عند كثير من العلماء ، والمنصوص عن أحمد خلافه .
وروي عن ابن مسعود ، قال : إذا كان يوم الغيم فعجلوا الظهر والعصر ، وأخروا المغرب والإفطار .
وعن عبد العزيز بن رفيع ، قال : عجلوا صلاة العصر ؛ فإنه بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " عجلوا الصلاة " - يعني : صلاة في اليوم الغيم .
وفي رواية ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " عجلوا الصلاة في يوم غيم ، وأخروا المغرب " .
وكان الربيع بن خثيم إذا كان يوم غيم قال لمؤذنه : أغسق ، أغسق - يعني : أخر حتى يظلم الوقت .
وروي استحباب التبكير بالصلاة في اليوم الغيم من وجوه :
فخرج محمد بن نصر المروزي في " كتاب الصلاة " بإسناد فيه ضعف عن أبي سعيد الخدري - مرفوعا - ، قال : " أربع من كن فيه بلغ حقيقة الإيمان " - فذكر منها - : " ابتدار الصلاة في اليوم الدجن " .
[3/132] وخرج ابن وهب في " مسنده " بإسناد ضعيف - أيضا - ، عن أبي الدرداء - مرفوعا - ، قال : " تعجيل الصلاة في اليوم الدجن من حقيقة الإيمان " .
وروى ابن سعد في " طبقاته " بإسناده ، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وصى ابنه عند موته بخصال الإيمان ، وعد منها : تعجيل الصلاة في يوم الغيم .
وقال الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير : ست من كن فيه فقد استكمل الإيمان ، فذكر منها : التبكير بالصلاة في اليوم الغيم .