باب قول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ إلى قوله : فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

أي هذا باب في ذكر قول الله عز وجل إلى آخره ، وفي رواية أبي ذر : باب قول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ الآية ، وللنسفي مثل ما ذكر إلى قوله : " هُمُ الظَّالِمُونَ " ولم يذكر الآية في رواية غيرهما ، وفي نسخة صاحب التوضيح : باب قول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى إلى " الظالمون " ، قوله : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ " قال المفسرون : يعني لا يطعن بعضهم على بعض ، أي لا يستهزئ قوم بقوم عسى أن يكونوا خيرا منهم عند الله ، قالوا : إن بعض الصحابة استهزأ بفقراء الصفة ، وأزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر ، وإن صفية بنت حيي أتت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت : إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : هلا قلت : إن أبي هارون وعمي موسى وإن زوجي محمد ، فنزلت هذه الآية ، قوله : " وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ " للمز الطعن والضرب باللسان ، ومعناه لا تفعلوا ما تلمزون به ؛ لأن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة ، قوله : " وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ " التنابز بالألقاب التداعي بها ، تفاعل من نبزه ، والنبز اللقب السوء ، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجدهم بألقاب يدعون بها ، فجعل الرجل يدعو الرجل بلقبه ، فقيل : يا رسول الله إنهم يكرهون هذا ، فنزلت وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ واللقب المنهي عنه هو اللقب السوء ، وأما اللقب الذي فيه التنويه بالحسن فلا بأس به كما قيل لأبي بكر عتيق ولعمر فاروق ولعثمان ذو النورين ولعلي أبو تراب ولخالد سيف الله ونحو ذلك ، قوله : " بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ " أي بئس الاسم أن يقال يا يهودي يا نصراني وقد آمن ، وهو معنى قوله تعالى " بَعْدَ الإِيمَانِ " قوله : " وَمَنْ لَمْ يَتُبْ " أي من التنابز " فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " أي الضارون لأنفسهم بمعصيتهم .
70 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة ، قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس ، وقال : بم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل ثم لعله يعانقها .
وقال الثوري ووهيب وأبو معاوية ، عن هشام : جلد العبد .


المناسبة بين الحديث والآية الكريمة هي أن ضحك الرجل مما يخرج من الأنفس فيه معنى الاستهزاء والسخرية .
وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عبد الله بن زمعة بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات ، وقيل : بسكون الميم ، ابن الأسود القرشي ، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس عشرة سنة ، وتمام هذا الحديث على ثلاث قصص : القصة الأولى قصة عقر الناقة ، والثانية قصة النهي عن الضحك [22/123] مما يخرج من الإنسان ، والثالثة قصة النهي عن جلد المرأة ، وأخرج البخاري في تفسير سورة الشمس وضحاها ، الثلاثة عن موسى بن إسماعيل ، وأخرج في أحاديث الأنبياء عليهم السلام بالقصة الأولى عن الحميدي ، وأخرج هنا بالقصة الثانية والثالثة ، وأخرج في النكاح القصة الثالثة ، وأخرج مسلم في صفة النار عن ابن أبي شيبة وغيره ، وأخرج الترمذي في التفسير عن هارون بن إسحاق ، وأخرج النسائي في التفسير عن محمد بن رافع وغيره ، وأخرج ابن ماجه في النكاح عن أبي بكر بن أبي شيبة ، ومضى الكلام في كل موضع منها .
قوله : " مما يخرج من الأنفس " أي من الضراط لأنه قد يكون بغير الاختيار ، ولأنه أمر مشترك بين الكل ، قوله : " ضرب الفحل " أي كضرب الفحل ، قوله : " يعانقها " أي يضاجعها .
قوله : " وقال الثوري " هو سفيان الثوري " ووهيب " مصغر وهب بن خالد البصري " وأبو معاوية " محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي ، يعني هؤلاء رووا عن هشام بن عروة " ضرب العبد " مكان ضرب الفحل ، أما تعليق الثوري فوصله البخاري في النكاح ، وأما تعليق وهيب فوصله البخاري أيضا في التفسير ، وأما تعليق أبي معاوية فوصله أحمد وإسحاق كذلك .