باب ما قيل في ذي الوجهين .

أي : هذا باب في بيان ما قيل في حق ذي الوجهين ، وذو الوجهين هو الذي يأتي هؤلاء بوجه ، وهؤلاء بوجه ، كما يجيء عن قريب في حديث أبي هريرة ، وهذه هي المداهنة المحرمة ، وسمي ذو الوجهين مداهنا ؛ لأنه يظهر لأهل المنكر أنه عنهم راض فيلقاهم بوجه سمح بالترحيب والبشر ، وكذلك يظهر لأهل الحق ما أظهره لأهل المنكر ، فيخلطه لكلتا الطائفتين ، وإظهاره الرضى بفعلهم استحق اسم المداهنة ، واستحق الوعيد الشديد أيضا ، روي عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها " ، وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه ، أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من كان ذا لسانين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة " .
86 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : تجد من شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعمر بن حفص يروي عن أبيه حفص بن غياث ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي صالح ذكوان السمان الزيات .
قوله : " تجد من شر الناس " ، وفي رواية الكشميهني : " من شرار الناس " بصيغة الجمع ، وفي رواية الترمذي : " إن من شر الناس " ، وفي رواية مسلم : " تجدون شر الناس " ، وفي رواية أخرى له : " تجدون من شر الناس ذا الوجهين " ، وفي رواية أبي داود ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة بلفظ : " من شر الناس ذو الوجهين " وفي رواية الإسماعيلي من طريق ابن شهاب ، عن الأعمش بلفظ : " من شر خلق الله ذو الوجهين " ، وهذه الألفاظ متقاربة ، والروايات التي فيها شر الناس محمولة على الروايات التي فيها من شر الناس مبالغة في ذلك ، وقال الكرماني : وفي بعض الروايات " أشر الناس " بلفظ أفعل وهو لغة فصيحة ، وإنما كان أشر ؛ لأنه يشبه النفاق ، فإن قلت : ما المراد بالناس ؟ قلت : يحتمل أن يكون المراد من ذكر من الطائفتين خاصة فهو شرهم كلهم ، والأولى أن يحمل على عمومه فهو أبلغ بالذم .
قوله : " ذا الوجهين " منصوب لأنه مفعول قوله : تجد قوله يأتي هؤلاء ، أي يأتي كل طائفة ، ويظهر عندهم أنه منهم ومخالف للآخرين مبغض لهم إذ لو أتى كل طائفة بالإصلاح ونحوه لكان محمودا .