93 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام .

مطابقته للترجمة في قوله : " ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا " ، وبشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ابن محمد أبو محمد السختياني المروزي ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، ومعمر بفتح الميمين هو ابن راشد ، وهمام بتشديد الميم الأولى ابن منبه على وزن اسم الفاعل من التنبيه . والحديث من هذا الوجه من أفراده .
قوله : " إياكم والظن " ، أي اجتنبوا الظن ، قال القرطبي : المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها ، كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها ، ولذلك عطف عليه : " ولا تحسسوا " ، وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة ، فيريد أن يتحقق ، فيتحسس ، وليبحث ويتسمع ، فنهي عن ذلك .
وقال الخطابي وغيره : ليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالبا ، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به ، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل ، وذلك أن أوائل الظنون إنما هو خواطر لا يمكن دفعها ، وما لا يقدر عليه لا يكلف به ، قوله : " فإن الظن أكذب الحديث " ، أي أكثر كذبا من الكلام ، فإن قيل : الكذب من صفات الأقوال ، يجاب بأن المراد به هنا عدم مطابقة الواقع سواء كان قولا أو فعلا .
قوله : " ولا تحسسوا " بالحاء المهملة ، " ولا تجسسوا " بالجيم قال الكرماني : كلاهما بمعنى ، وكذا نقل عن إبراهيم الحربي ، وقال ابن الأنباري : ذكر الثاني تأكيدا ، كقولهم : بعدا وسحقا ، قلت : بينهما فرق ؛ لأن كلام الشارع كله معنى بعد معنى ، فقيل : الذي بالجيم البحث عن العورات ، والذي بالحاء الاستماع لحديث القوم ، كذا رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أحد صغار التابعين ، وقيل : بالجيم البحث عن بواطن الأمور ، وأكثر ما يقال في الشر ، وبالحاء البحث عما يدرك بحاسة العين أو الأذن ، ورجح القرطبي هذا .
وقيل : بالجيم تتبع الشخص لأجل غيره ، وبالحاء تتبعه لنفسه ، وهذا اختيار ثعلب ، ويستثنى من النهي عن التجسس ما لو تعين طريقا إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلا ، كأن يخبر ثقة بأن فلانا خلا بشخص ليقتله ظلما ، أو بامرأة ليزني بها ، فيشرع في هذه الصورة التجسس والبحث عن ذلك ؛ حذار من فوات استدراكه .
قوله : " ولا تباغضوا " ، أي لا تتعاطوا أسباب البغض ؛ لأن البغض لا يكتسب ابتداء ، وقيل : المراد بالنهي عن الأهواء [22/137] المضلة المقتضية للتباغض ، والمذموم منه ما كان لغير الله تعالى ، فإنه فيه واجب ، ويثاب فاعله لتعظيم حق الله عز وجل ، قوله : " وكونوا عباد الله " ، يعني يا عباد الله ، كونوا إخوانا ، يعني اكتسبوا ما تصيرون به إخوانا .
وقال القرطبي : المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة .
قوله : " ولا يحل لمسلم " إلى آخره فيه التصريح بحرمة الهجران فوق ثلاثة أيام ، وهذا فيمن لم يجن على الدين جناية ، فأما من جنى عليه وعصى ربه فجاءت الرخصة في عقوبته بالهجران ، كالثلاثة المتخلفين عن غزوة تبوك ، فأمر الشارع بهجرانهم فبقوا خمسين ليلة حتى نزلت توبتهم ، وقد آل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من نسائه شهرا ، وصعد مشربته ، ولم ينزل إليهن حتى انقضى الشهر ، واختلفوا هل يخرج بالسلام وحده من الهجران ، فقالت البغاددة : نعم ، وكذا قول جمهور العلماء : إن الهجرة تزول بمجرد السلام ورده ، وبه قال مالك في رواية ، وقال أحمد : لا يبرأ من الهجرة إلا بعوده إلى الحال التي كان عليها أولا ، وقال أيضا : إن كان ترك الكلام يؤذيه لم تنقطع الهجرة بالسلام ، وكذا قال ابن القاسم .