|
باب ستر المؤمن على نفسه .
أي : هذا باب في بيان ستر المؤمن على نفسه إذا صدر منه ما يعاب . 97 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن أخي ابن شهاب ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله قال : سمعت أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كل أمتي معافى إلا المجاهرين ، وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملا ، ثم يصبح وقد ستره الله فيقول : يا فلان ، عملت البارحة كذا وكذا ، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه .
قيل : لا مطابقة بين الترجمة وبين الحديث ؛ لأن الترجمة عقدت لستر المؤمن على نفسه ، وفي الحديث ستر الله على المؤمن ، وأجيب بأن ستر الله مستلزم لستر المؤمن على نفسه ، فمن قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها فقد أغضب الله تعالى فلم يستره ، ومن قصد التستر بها حياء من ربه ومن الناس : من الله عليه بستره إياه . وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف ، وهنا روي عن الزهري بواسطة ، وهو يروي عنه كثيرا بلا واسطة ، وابن أخي ابن شهاب محمد بن عبد الله بن مسلم ، يروي عن عمه ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبي هريرة ، وفي رواية مسلم في آخر الكتاب عن زهير بن حرب ، ومحمد بن حاتم ، وعبد بن حميد ، ثلاثتهم عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، كلاهما عن ابن أخي الزهري ، عن عمه ، عنه به . قوله : " معافى " بضم الميم وفتح الفاء مقصورا اسم مفعول من العافية التي وضعت موضع المصدر ، يقال : عافاه عافية ، والعافية دفاع الله عن العبد ، والمعنى هنا عفا الله عنه ، قوله : " إلا المجاهرين " [22/139] كذا في رواية الأكثرين بالنصب ، وفي رواية النسفي : " إلا المجاهرون " بالرفع على قول الكوفيين ؛ لأن الاستثناء منقطع ، وتكون إلا بمعنى لكن ، والمعنى لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون ، فالمجاهرون مبتدأ والخبر محذوف ، ووجه النصب هو الذي اختاره البصريون من أن الأصل في المستثنى أن يكون منصوبا . وقال الكرماني : حقه النصب على الاستثناء إلا أن يكون العفو بمعنى الترك ، وهو نوع من النفي ، والمجاهر هو الذي جاهر بمعصيته وأظهرها ، والمعنى كل واحد من أمتي يعفى عن ذنبه ، ولا يؤاخذ به إلا الفاسق المعلن ، وقال النووي : إن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون من لم يجاهر به ، فإن قلت : المجاهر من باب المفاعلة يقتضي الاشتراك ، قلت : معنى جاهر به جهر به ، كما في قوله تعالى : وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي أسرعوا . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون على ظاهر المفاعلة ، والمراد الذين يجاهر بعضهم بعضا بالتحدث بالمعاصي ، قلت : فيه نظر لا يخفى . قوله : " وإن من المجانة " بفتح الميم والجيم وهو عدم المبالاة بالقول والفعل ، وفي رواية ابن السكن والكشميهني : " وإن من المجاهرة " ، ووقع في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد : " وإن من الإجهار " ، وكذا عند مسلم ، وفي رواية له " الهجار " ، وفي رواية الإسماعيلي : " إلا هجار " ، وفي رواية أبي نعيم في المستخرج : " وإن من الجهار " وقال عياض : وقع للعذري والسجزي في مسلم الإجهار ، وللفارسي إلا هجار ، والأهجار والمجاهرة كله صواب بمعنى الظهور والإظهار ، وأما الإهجار فهو الفحش والخنى ، وكثرة الكلام ، وهو قريب من معنى المجانة ، وأما لفظة الهجار فبعيد لفظا ومعنى ؛ لأن الهجار الحبل أو الوتر يشد به يد البعير ، أو الحلقة التي يتعلم فيها الطعن ، ولا يصح له هنا معنى ، وقال بعضهم : بل له معنى صحيح أيضا ، فإنه يقال : هجر وأهجر إذا أفحش في كلامه فهو مثل جهر وأجهر ، فما صح في هذا صح في هذا ، ولا يلزم من استعمال الهجار بمعنى الحبل أو غيره أن لا يستعمل مصدرا من الهجر بضم الهاء قلت : هذا كلام واه جدا . ( أما أولا ) ففيه إثبات اللغة بالقياس ( وأما ثانيا ) فقوله يستعمل مصدرا من الهجر بضم الهاء غير صحيح ؛ لأن الهجر بالضم الاسم من الإهجار وهو الإفحاش في المنطق والخنى ، وكيف يؤخذ المصدر من الاسم ، والمصدر أيضا مأخوذ منه غير مأخوذ فافهم ، قوله : " عملا " ، أي معصية ، قوله : " ثم يصبح " ، أي يدخل في الصباح ، قوله : " وقد ستره الله " الواو فيه للحال ، قوله : " عملت " بلفظ المتكلم " البارحة " هي أقرب ليلة مضت من وقت القول ، قوله : " يكشف " جملة حالية .
|