باب قول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ وما ينهى عن الكذب .

أي : هذا باب في ذكر قول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية ، قوله : وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي مثلهم أو منهم ، والصادقون هم الذين يصدقون في قولهم وعملهم ، وقيل : في أيمانهم يوفون بما عاهدوا ، قوله : " وما ينهى " ، أي الباب أيضا في باب ما ينهى عن الكذب .
[22/153] 118 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عبد الله رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا .

وجه المطابقة بينه وبين الآية المذكورة ظاهر ، وهو أن الصدق يهدي إلى الجنة ، والآية فيها أيضا الأمر بالكون مع الصادقين ، والكون معهم أيضا يهدي إلى الجنة .
وعثمان بن أبي شيبة أخو أبي بكر بن أبي شيبة ، واسم أبي شيبة إبراهيم ، وهو جد عثمان ؛ لأنه ابن محمد بن إبراهيم ، وجرير هو ابن عبد الحميد ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وعبد الله هو ابن مسعود .
والحديث أخرجه مسلم في الأدب أيضا ، عن عثمان ، وعن أخيه أبي بكر بن أبي شيبة .
قوله : " يهدي " من الهداية ، وهي الدلالة الموصلة إلى البغية ، قوله : " إلى البر " بكسر الباء الموحدة وتشديد الراء ، وهو العمل الصالح الخالص من كل مذموم ، وهو اسم جامع للخيرات كلها ، قوله : " صديقا " بكسر الصاد وتشديد الدال ، وهو صيغة المبالغة ، قوله : " إلى الفجور " وهو الميل إلى الفساد ، وقيل : الانبعاث في المعاصي ، وهو جامع للشرور وهما متقابلان ، قال الله عز وجل : إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ قوله : " حتى يكتب " ، أي يحكم له ، وفي رواية الكشميهني حتى يكون ، والمراد : الإظهار للمخلوقين إما للملأ الأعلى ، وإما أن يلقى ذلك في قلوب الناس وألسنتهم ، وإلا فحكم الله أزلي ، والغرض أنه يستحق وصف الصديقين وثوابهم ، وصفة الكذابين وعقابهم ، وكيف لا وإنه من علامات النفاق ، ولعله لم يقل في الصديق بلفظ يكتب إشارة إلى أن الصديق من جملة الذين قال الله فيهم : الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
فإن قلت : حديث عبد الله هذا يعارضه حديث صفوان بن سليم الذي رواه مالك عنه أنه قيل للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : " أيكون المؤمن كذابا ؟ قال : لا " ، وحديث : " يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب " ، قلت : المراد بالمؤمن في حديث صفوان المؤمن الكامل ، أي لا يكون المؤمن المستكمل لأعلى درجات الإيمان كذابا حتى يغلبه الكذب ؛ لأن كذابا وزنه فعال ، وهو من أبنية المبالغة لمن يكثر الكذب منه ، ويتكرر حتى يعرف به ، وكذلك الكذوب ، وكذلك الكلام في الحديث الآخر .