باب في الهدي الصالح .

أي : هذا باب في بيان الهدي الصالح ، والهدي بفتح الهاء وسكون الدال المهملة ، وقال ابن الأثير : الهدي السيرة والهيئة والطريقة ، وفي الحديث : " واهدوا هدي عمار " ، أي سيروا بسيرته وتهيئوا بهيئته ، يقال : هدى هدي فلان إذا سار بسيرته ، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس رفعه الهدي الصالح والسمت الصالح ، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة ، وأخرجه أبو داود وأحمد أيضا .
121 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : قلت لأبي أسامة : حدثكم الأعمش ، سمعت شقيقا قال : سمعت حذيفة يقول : إن أشبه الناس دلا وسمتا وهديا برسول الله صلى الله عليه وسلم لابن أم عبد من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه ، لا ندري ما يصنع في أهله إذا خلا .

مطابقته للترجمة في قوله : " وهديا " ، وإسحاق بن إبراهيم هو إسحاق بن راهويه قاله بعضهم ، قلت : يحتمل أن يكون إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السعدي البخاري ؛ لأن كلا منهما قد روى عن أبي أسامة ، فالجزم بأنه ابن راهويه من أين ، ويروي عنه البخاري في غير موضع في كتابه مرة يقول : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن نصر ، ومرة يقول : حدثنا إسحاق بن نصر فينسبه إلى جده ، وأبو أسامة حماد بن أسامة ، والأعمش سليمان ، وشقيق أبو وائل ، وحذيفة بن اليمان العبسي ، والحديث من أفراده .
قوله : " حدثكم " ، ويروى : " أحدثكم " بهمزة الاستفهام والسكوت عن الجواب قائم مقام التصديق والتسليم عند القرائن ، قوله : " دلا " بفتح الدال المهملة وتشديد اللام ، قال الكرماني : الدل قريب المعنى من الهدي ، وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل ، والهدي هو السيرة والسمت بفتح السين المهملة ، وإسكان الميم الطريق والمقصد ، وهيئة أهل الخير قوله لابن أم عبد بفتح اللام للتأكيد ، وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود ، وأمه أم عبد بنت عبدود ، ولها صحبة ، وكان أصحابه يدخلون عليه فينظرون إليه قولا وفعلا ، حركة وسكونا ، حالا وملكة وغيرها ، فيتشبهون به رضي الله تعالى عنه ، قوله : " من حين يخرج من بيته " إلى آخره أراد بذلك أنه يشاهد ما قاله عن عبد الله بن مسعود من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه ، أي إلى بيته ، ثم قال : لا ندري ما يصنع في أهله إذا خلا بهم ؛ لأنه ربما ينبسط بهم ، ولم يرد بذلك إثبات نقص في حق عبد الله فافهم .
وفيه من الفقه أنه ينبغي للناس الاقتداء بأهل الفضل والصلاح في جميع أحوالهم : في هيئتهم ، وتواضعهم للخلق ، ورحمتهم ، وإنصافهم من أنفسهم ، وفي مأكلهم ومشربهم ، واقتصادهم في أمورهم تبركا بذلك .