باب الصبر على الأذى .

أي : هذا باب في بيان فضيلة الصبر على الأذى ، أي أذى الناس ، والصبر حبس النفس على المطلوب حتى يدرك ، وأصل الصبر الحبس ، ومنه سمي الصوم صبرا لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب والنكاح ، ومنه نهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من صبر البهائم ، يعني من حبسها للتمثيل بها ، ورميها كما ترمى الأغراض ، والصبر على الأذى من باب جهاد النفس وقمعها عن شهوتها ، ومنعها عن تطاولها ، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين ، وإن كان الله قد جعل النفوس مجبولة على تألمها من الأذى ومشقته .
وقول الله تعالى : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ

" وقول الله " مجرور عطفا على الصبر على الأذى ، أراد بالصابرين الذين صبروا على البلايا ، وقيل : الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم في مكة ، وهاجروا إلى المدينة ، وقيل : نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين لم يتركوا دينهم ، قوله : " بغير حساب " ، يعني لا يهتدي إليه عقل ولا يوصف .
123 - حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان قال : حدثني الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن أبي موسى رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس أحد ، أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله : إنهم ليدعون له ولدا ، وإنه ليعافيهم ويرزقهم .

مطابقته للترجمة في قوله : " ليس شيء أصبر على أذى " وإطلاق الصبر على الله بمعنى الحلم يعني حبس العقوبة عن مستحقها إلى زمن آخر وتأخيرها .
ويحيى بن سعيد هو القطان ، وسفيان هو الثوري ، والأعمش سليمان ، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي بضم السين وفتح اللام ، وأبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد ، عن عبدان ، وأخرجه مسلم في التوبة ، عن أبي بكر وغيره ، وأخرجه النسائي في البعوث عن عمرو بن علي ، وفي التفسير عن محمد بن عبد الله .
قوله : " أو ليس شيء " شك من الراوي ، قوله : " ليس شيء أصبر " فسروا الصبر في حق الله بالحلم ، وقد ذكرناه الآن ، قوله : " من الله " كلمة من صلة لقوله أصبر ، قوله : " ليدعون له " ، أي لله ، واللام فيه مفتوحة للتأكيد ، يعني ينسبون إليه ما هو منزه عنه ، وهو يحسن إليهم بما يتعلق بأنفسهم ، وهو المعافاة ، وبأموالهم وهو الرزق .