|
باب من لم يواجه الناس بالعتاب .
أي : هذا باب في بيان من لم يواجه الناس بالعتاب حياء منهم . 125 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا مسلم ، عن مسروق قالت عائشة : صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه ، فتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فخطب فحمد الله ، ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية .
وجه المطابقة بين الحديث والترجمة هي أن الترجمة في عدم مواجهة الناس بالعتاب ، وكذلك الحديث في عتاب قوم من غير مواجهتهم ، وقال ابن بطال : إنما كان لا يواجه الناس بالعتاب إذا كان في خاصة نفسه كالصبر على جهل الجهال وجفاء الأعراب ، ألا يرى أنه ترك الذي جبذ البردة من عنقه حتى أثرت جبذته فيه ، وأما إذا انتهكت من الدين حرمة فإنه لا يترك العتاب عليها والتقريع فيها ، ويصدع بالحق فيما يجب على منتهكها ويقتص منه . وعمر بن حفص يروي عن أبيه حفص بن غياث ، عن سليمان الأعمش ، ومسلم على صيغة اسم الفاعل من أسلم ، قال بعضهم : هو ابن صبيح أبو الضحى ، ووهم من زعم أنه ابن عمران البطين ، قلت : غمز بذلك على الكرماني ، فإنه لم يجزم بأنه مسلم بن عمران البطين ، بل قال : مسلم إما مسلم بن عمران البطين ، وإما مسلم بن صبيح مصغر صبح ، وكلاهما بشرط البخاري يرويان عن مسروق ، والأعمش يروي عنهما ، وابن عمران يقال له ابن أبي عمران ، وابن أبي عبد الله . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام عن عمر بن حفص ، وأخرجه مسلم في فضائل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن إسحاق بن إبراهيم وآخرين ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن بندار . قوله : " صنع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم شيئا لم يعلم ما هو " ، قوله : " فرخص فيه " من الترخيص وهو خلاف التشديد ، يعني سهل فيه من غير منع ، قوله : " فتنزه عنه قوم " ، يعني احترزوا عنه ولم يقربوا إليه ، وفي رواية مسلم فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه ، قوله : " فبلغ ذلك " ، أي تنزههم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : " ما بال قوم يتنزهون " ، أي يحتزون ، وفي رواية مسلم : " فبلغ ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فغضب حتى بان الغضب في وجهه " ، قوله : " عن الشيء أصنعه " ، وفي رواية جرير : " بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه " ، وفي رواية أبي معاوية : " يرغبون عما رخصت فيه " . قوله : " إني لأعلمهم " إشارة إلى القوة العلمية ، قوله : " وأشدهم له خشية " إشارة إلى القوة العملية . وفيه الحث على الاقتداء به ، والنهي عن التعمق ، وذم التنزه عن المباح .
|