|
باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلا .
أي : هذا باب في بيان من لم ير إكفار بكسر الهمزة من قال ذلك إشارة إلى قوله في الترجمة السابقة من كفر أخاه بغير تأويل ، يعني من قال ذلك القول حال كونه متأولا بأن ظنه كذا ، أو قاله حال كونه جاهلا بحكم ما قاله ، أو بحال المقول فيه . وقال عمر لحاطب : إنه منافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وما يدرك ؟ لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال : قد غفرت لكم .
مطابقة هذا التعليق للترجمة ظاهرة ، وذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه إنما قال لحاطب : إنه منافق ؛ لأنه ظن أنه صار منافقا بسبب كتابه إلى المشركين كما ذكرناه عن قريب ، وهذا التعليق طرف من حديث علي رضي الله تعالى عنه في قصة حاطب ، قد تقدم موصولا في تفسير سورة الممتحنة ، قوله : " إنه منافق " رواية الكشميهني ، وفي رواية الأكثرين : " إنه نافق " بصيغة الفعل الماضي ، قوله : " وما يدريك " ، أي أي شيء جعلك داريا بحال حاطب . 131 - حدثنا محمد بن عبادة ، أخبرنا يزيد ، أخبرنا سليم ، حدثنا عمرو بن دينار ، حدثنا جابر بن عبد الله أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة ، فقرأ بهم البقرة ، قال : فتجوز رجل ، فصلى صلاة خفيفة ، فبلغ ذلك معاذا ، فقال : إنه منافق ، فبلغ ذلك الرجل ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إنا قوم نعمل بأيدينا ، ونسقي بنواضحنا ، وإن معاذا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة ، فتجوزت ، فزعم أني منافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا معاذ ، أفتان [22/159] أنت ثلاثا اقرأ والشمس وضحاها وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها .
مطابقته للترجمة من حيث إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عذر معاذا في قوله : " إنه منافق " ؛ لأنه كان متأولا وظنا أن التارك للجماعة منافق . ومحمد بن عبادة بفتح العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة الواسطي ، ويزيد هو ابن هارون ، وسليم بفتح السين المهملة ، وكسر اللام ابن حيان من الحياة ، أو من الحين منصرفا وغير منصرف . والحديث مضى في كتاب الصلاة في باب إذا طول الإمام ، وكان للرجل حاجة ، وفي باب من شكا إمامه إذا طول مطولا ، ومر الكلام فيه . قوله : " فيصلي به الصلاة " ، ويروى : " صلاة " وكانت هذه الصلاة صلاة العشاء ، ولأبي داود والنسائي أنها كانت المغرب ، وقال البيهقي : روايات العشاء أصح ، قوله : " فتجوز " بالجيم ، أي خفف ، وقال ابن التين : يحتمل أن يكون بالحاء ، أي انحاز وصلى وحده ، ويؤيد هذا رواية مسلم : " فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده ثم انصرف " . وقال البيهقي : قوله : " فسلم " لا أدري هل حفظت أم لا لكثرة من رواه عن سفيان بدونها ، وانفرد بها محمد بن عبادة ، عن سفيان ، قوله : " بنواضحنا " جمع ناضح ، وهو البعير الذي يستقى عليه ، قوله : " ثلاثا " ، أي فقال : " أفتان يا معاذ " ، ثلاث مرات . وقال صاحب التوضيح : صلاة معاذ بقومه فيه دلالة على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل ، وانتصر ابن التين لمذهبه فقال : يحتمل أن يكون جعل صلاته مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نافلة ، ويحتمل أن يكون لم يعلم الشارع بذلك ، وما أبعدهما ، وكيف يظن بمعاذ أن يؤخر الفرض ليصليها بقومه ، ويؤثر النفل خلفه ، وكيف يدعي أن الشارع لم يعلم بذلك مع أنه اشتكى إليه ، وقال : " أفتان أنت يا معاذ " ؟ انتهى . قلت : هذا الكلام غير موجه ؛ لأنه التبس بفوت الفضيلة معه صلى الله عليه وسلم في سائر أئمة مساجد المدينة ، وفضيلة النافلة خلفه مع أن أداء الفرض مع قومه يقوم مقام أداء الفريضة خلفه ، وامتثال أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في إمامة قومه زيادة طاعة . والحديث المذكور منسوخ ، قال الطحاوي : يحتمل أن يكون ذلك وقت كانت الفريضة تصلى مرتين ، فإن ذلك كان يفعل في أول الإسلام ، ثم ذكر حديث ابن عمر : " لا يصلي صلاة في يوم مرتين " قيل : لا يثبت النسخ بالاحتمال ، وأجيب بأنه إذا كان ناشئا عن دليل يعمل به ، وقد ذكر الطحاوي بإسناده أنهم كانوا يصلون الفريضة الواحدة في اليوم مرتين حتى نهوا عن ذلك ، وهكذا ذكره المهلب ، والنهي لا يكون إلا بعد الإباحة .
|