باب الحذر من الغضب .

أي : هذا باب في بيان الحذر من أجل الغضب ، وهو غليان دم القلب لإرادة الانتقام .
لقول الله تعالى : وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وقوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

احتج للحذر من الغضب بالآيتين الكريمتين ، كذا سوق الآيتين في رواية كريمة ، وفي رواية أبي ذر ساق إلى قوله : وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ثم قال الآية ، وقال بعضهم : وليس في الآيتين دلالة على التحذر من الغضب إلا أنه لما ضم من يكظم غيظه إلى من يجتنب الفواحش كان في ذلك إشارة إلى المقصود ، قلت : ليس كما قال ، بل في كل منهما دلالة على التحذر من الغضب ، أما الآية الأولى ففي مدح الذين يجتنبون كبائر الإثم ، قال ابن عباس : هو الشرك والفواحش ، قال السدي : يعني الزنا ، وقال مقاتل : يعني موجبات الحدود .
وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ بمعنى يتجاوزون ، ويحلمون ، وقد قيل : إن هذه وما قبلها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، فإذا كان ما ذكر فيها مدحا يكون ضده أن لا يتجاوز الشخص إذا غضب ، فدل ذلك بالضرورة على التحذر من الغضب المذموم ، وأما الآية الأخرى ففي مدح المتقين الذين وصفهم الله بهذه الأوصاف المذكورة فيها ، فيدل ضد هذه الأوصاف على الذم ، ومن الذم عدم كظم الغيظ ، وعدم العفو عن الناس ، وعدم كظم الغيظ هو عين الغضب ، فدل ذلك أيضا على التحذر من الغضب فافهم ، والله أعلم .
138 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب .

مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الإغراء على الحذر من الغضب .
والحديث أخرجه مسلم في الأدب عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن الحارث بن مسكين .
قوله : " بالصرعة " بضم الصاد المهملة ، وفتح الراء الذي يصرع الرجال مكثرا فيه ، وهو بناء المبالغة كالحفظة بمعنى كثير الحفظ ، وقال ابن التين ضبطناه بفتح الراء ، وقرأه بعضهم بسكونها ، وليس بشيء ؛ لأنه عكس المطلوب قال : وضبط أيضا في بعض الكتب بفتح الصاد ، وليس بشيء ؛ لأنه عكس المطلوب ؛ لأن الصرعة بسكون الراء من يصرعه غيره كثيرا ، وهذا غير مقصود هاهنا .