|
باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين .
أي : هذا باب في ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " ، غير أن في الحديث من جحر واحد ، واللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة ما يكون من ذوات السموم ، واللذع بالذال المعجمة والعين المهملة ما يكون من النار ، والجحر بضم الجيم وسكون الحاء المهملة . وقال معاوية : لا حليم إلا ذو تجربة .
معاوية هو ابن أبي سفيان ، ومناسبة ذكر أثره للحديث الذي هو الترجمة هي أن الحليم الذي ليس له تجربة قد يقع في أمر مرة بعد أخرى ، فلذلك قيد الحليم بذي التجربة ، قوله : " لا حليم إلا ذو تجربة " أي صاحب تجربة ، والحليم على وزن عظيم وهذا هكذا رواية الأصيلي ، ورواية الأكثرين : " لا حليم إلا بتجربة " ، وفي رواية أبي ذر : " لا حلم " بكسر الحاء وسكون اللام إلا بتجربة ، وفي رواية الكشميهني : " إلا لذي تجربة " والحلم عبارة عن التأني في الأمور المقلقة ، والمعنى أن المرء لا يوصف بالحلم حتى يجرب الأمور ، وقيل : إن من جرب الأمور ، وعرف عواقبها آثر الحلم وصبر على قليل الأذى ؛ ليدفع به ما هو أكثر منه ، وتعليق معاوية وصله أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ، عن عيسى بن يونس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : قال معاوية : لا حلم إلا بالتجارب . 157 - حدثنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة [22/173] رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين .
الحديث هو عين الترجمة ، وعقيل بضم العين المهملة وفتح القاف ابن خالد ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب ، وأبو داود في الأدب كلاهما ، عن قتيبة ، وأخرجه ابن ماجه في الفتن ، عن محمد بن الحارث المصري . قوله : " لا يلدغ " على صيغة المجهول ، والمؤمن مرفوع به على صيغة الخبر ، وقال الخطابي : هذا لفظه خبر ومعناه أمر ، أي ليكن المؤمن حازما حذرا لا يؤتى من ناحية الغفلة فينخدع مرة بعد أخرى ، وقد يكون ذلك في أمر الدين ، كما يكون في أمر الدنيا ، وهو أولاهما بالحذر ، قال : وقد روي بكسر الغين في الوصل ، فيتحقق معنى النهي فيه . وقال ابن التين : وكذلك قرأناه ، وقال أبو عبيد : معناه لا ينبغي للمؤمن إذا نكث من وجه أن يعود إليه ، وقيل : المراد بالمؤمن في هذا الحديث الكامل الذي قد وقفته معرفته على غوامض الأمور حتى صار يحذر مما سيقع ، وأما المؤمن المغفل فقد يلدغ مرارا ، وهذا الكلام مما لم يسبق إليه صلى الله عليه وسلم ، وأول ما قاله لأبي غرة الجمحي ، وكان شاعرا فأسر ببدر ، فشكى عائلة وفقرا ، فمن عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأطلقه بغير فداء ، فظفر به بأحد فقال مِنَّ عليَّ وذكر فقره وعياله ، فقال : لا تمسح عارضيك بمكة ، وتقول : سخرت بمحمد مرتين وأمر به فقتل .
|