171 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ، فسرنا ليلا ، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع : ألا تسمعنا من هنيهاتك ؟ قال : وكان عامر رجلا شاعرا ، فنزل يحدو بالقوم يقول :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما اقتفينا
وثبت الأقدام إن لا قينا
وألقين سكينة علينا
إنا إذا صيح بنا أتينا
وبالصياح عولوا علينا
.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هذا السائق ؟ قالوا : عامر بن الأكوع ، فقال : يرحمه الله ، فقال رجل من القوم : وجبت يا نبي الله ، لولا أمتعتنا به قال : فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة ، ثم إن الله فتحها عليهم ، فلما أمسى الناس اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما هذه النيران ، على أي شيء توقدون ؟ قالوا : على لحم ، على أي لحم ؟ قالوا : على لحم حمر إنسية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أهرقوها ، واكسروها ، فقال رجل : يا رسول الله ، أو نهريقها ونغسلها ؟ قال : أو ذاك ، فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر ، فتناول به يهوديا ليضربه ، ويرجع ذباب سيفه ، فأصاب ركبة عامر ، فمات منه ، فلما قفلوا قال سلمة : رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم شاحبا ، فقال لي : ما لك ؟ فقلت : فدى لك أبي وأمي ، زعموا أن عامرا حبط عمله ، قال : من قاله قلت : قاله فلان وفلان وفلان ، وأسيد بن حضير الأنصاري ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [22/184] كذب من قاله ، إن له لأجرين ، وجمع بين إصبعيه ، إنه لجاهد مجاهد ، قل عربي نشأ بها مثله .


مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لاشتماله على الشعر والرجز والحداء ، وحاتم بن إسماعيل الكوفي سكن المدينة ، ويزيد من الزيادة ابن أبي عبيد ، مولى سلمة بن الأكوع .
والحديث مضى في باب غزوة خيبر ، الحديث الثاني منه أخرجه عن عبد الله بن مسلمة ، عن حاتم بن إسماعيل إلى آخره ، وبين المتنين تفاوت بالزيادة والنقصان .
قوله : " خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " وهناك : " مع النبي صلى الله عليه وسلم " قوله : " ألا تسمعنا " من الإسماع ، قوله : " من هنيهاتك " جمع هنيهة ، ويروى : " هنياتك " بتشديد الياء آخر الحروف بعد النون ، قال الكرماني : جمع الهنية مصغر الهنة إذ أصلها هنو ، وهي الشيء الصغير ، المراد بهما الأراجيز .
وقال الجوهري : هن على وزن أخ ، كلمة كناية ، ومعناه شيء ، وأصله هنو ، وتقول للمرأة : هنة ، وتصغيرها هنية ، تردها إلى الأصل ، وتأتي بالهاء ، وقد تبدل من الياء الثانية هاء ، فتقول : هنيهة ، وقال ابن الأثير في حديث ابن الأكوع : ولا تسمعنا من هناتك ، أي من كلماتك ، أو من أراجيزك ، وفي رواية : " من هنياتك " على التصغير ، وفي أخرى : " من هنيهاتك " على قلب الياء هاء ، قوله : " شاعرا " ، ويروى : " حداء " ، قوله : " يحدو " ، أي يسوق ، قوله : " اللهم " هكذا الرواية ، قال الكرماني والموزون : لاهم .
وقال ابن التين : هذا ليس بشعر ولا رجز ؛ لأنه ليس بموزون ، وقال بعضهم : ليس كما قال ، بل هو رجز موزون ، وإنما زيد في أوله سبب خفيف ، ويسمى الخزم بالمعجمتين ، قوله : " فداء لك " بكسر الفاء وبالمد والتنوين ، أي لرسولك ، وقال المازري : لا يقال لله تعالى فداء لك ؛ لأنه إنما يستعمل في مكروه يتوقع حلوله للشخص ، فيختار شخص آخر أن يحل ذلك به ، ويفديه منه ، فهو إما مجاز عن الرضا ، كأن قال : نفسي مبذولة لرضاك ، أو هذه الكلمة وقعت في البين خطابا لسامع الكلام .
وقال الكرماني : ولفظ فدى ممدود ومقصور ، ومرفوع ومنصوب ، وقال ابن بطال : فدى لك ، أي من عندك فلا تعاقبني ، واللام للتبيين ، نحو لام هيت لك ، قوله : " ما اقتفينا " ، أي اتبعنا أمره ، ومادته قاف وفاء ، وفي المغازي ما أبقينا من الإبقاء ، ومادته باء وقاف ، أي أفدنا من عقابك فداء ما أبقينا من الذنوب ، أي ما تركناه مكتوبا علينا ، وروي ما اتقينا من الاتقاء ، وما اقتنينا من الاقتناء ، ويروى ما آتينا من الإتيان .
قوله : " أبينا " من الإباء عن الفرار ، أو عن الباطل ، قوله : " وبالصياح عولوا علينا " ، أي حملوا علينا بالصياح لا بالشجاعة ، قال الكرماني : قد تقدم في الجهاد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقولها في حفر الخندق ، وأنها من أراجيز ابن رواحة ، ثم أجاب بأنه لا منافاة في وقوع الأمرين ، ولا محذور أن يحدو الشخص بشعر غيره ، قوله : " وجبت " ، أي الشهادة ، وقال أبو عمر : كانوا قد عرفوا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم إذا استغفر لأحد عند الوقعة ، وفي المشاهد يستشهد البتة ، فلما سمع عمر رضي الله تعالى عنه ذلك قال : يا رسول الله ، لولا أمتعتنا بعامر ، أي لو تركته لنا فبارز يومئذ ، فرجع سيفه على ساقه فقطع أكحله ، فمات منها ، قوله : " حمر " بضمتين جمع حمار ، قوله : " إنسية " بكسر الهمزة وسكون النون وبفتحهما ، وهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته ، قوله : " أهريقوها " ، ويروى : " هريقوها " أي أريقوها ، ففي الرواية الأولى الهاء زائدة ، وفي الثانية منقلبة عن الهمزة ، قوله : " أو ذاك " ، أي أهريقوها واغسلوها .
قوله : " ويرجع " بالرفع ، قوله : " ذباب سيفه " ، أي طرفه ، قوله : " شاحبا " ، أي متغير اللون ، يقال : شحب يشحب شحوبا فهو شاحب ، وقال صاحب التوضيح : ولا يصح أن يكون بالجيم كما قاله ابن التين ، وليست هذه اللفظة في رواية المغازي ، قوله : " حبط " بكسر الباء الموحدة ، أي بطل عمله ، قوله : " وأسيد " بضم الهمزة وفتح السين مصغر أسد بن الحضير بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة ، قوله : " إن له لأجرين " وهما أجر الجهد في الطاعة ، وأجر المجاهدة في سبيل الله ، وقيل : أحد الأجرين موته في سبيل الله ، والآخر : لما كان يحدو به القوم من شعره ، ويدعو الله في ثباتهم عند لقاء عدوهم .
قوله : " لجاهد مجاهد " كلاهما بلفظ اسم الفاعل ، الأول من الثلاثي ، والثاني من المزيد فيه ، والمعنى لجاهد في الأجر ، ومجاهد للمبالغة فيه ، يعني مبالغ في سبيل الله ، ويروى بلفظ الماضي في الأول ، وبلفظ جمع المجهدة في الثاني ، قوله : " قل عربي نشأ بها " ، أي قل عربي نشأ في الدنيا بهذه الخصلة ، والهاء عائدة إلى الحرب ، أو بلاد العرب ، أي قليل من العرب نشأ بها .