[22/185] 172 - حدثنا مسدد ، حدثنا إسماعيل ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه ، ومعهن أم سليم فقال : ويحك يا أنجشة ، رويدك سوقا بالقوارير ، قال أبو قلابة : فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه ، قوله : سوقك بالقوارير .

مطابقته للترجمة من حيث إن فيه حدو أنجشة بالنساء ، وإسماعيل هو ابن علية ، وأيوب هو السختياني ، وأبو قلابة بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي .
والحديث أخرجه مسلم في الفضائل ، عن أبي الربيع الزهراني وغيره ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن قتيبة به .
قوله : " أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على بعض نسائه " في رواية حماد بن زيد على ما يأتي ، عن أيوب " أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان في سفر " ، وفي رواية شعبة ، عن ثابت ، عن أنس : " كان في منزله فحدا الحادي " ، وأخرجه النسائي والإسماعيلي من طريق شعبة بلفظ : " وكان معهم سائق وحاد " ، وفي رواية أبي داود الطيالسي ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس رضي الله تعالى عنه : " كان أنجشة يحدو بالنساء ، وكان البراء بن مالك يحدو بالرجال " ، وفي رواية قتادة ، عن أنس " كان للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم حاد يقال له أنجشة ، وكان حسن الصوت " ، وفي رواية وهيب : " وأنجشة غلام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسوق بهن " ، وفي رواية حميد ، عن أنس : " فاشتد بهن في السياقة " ، أخرجها أحمد ، عن ابن أبي عدي عنه .
قوله : " ومعهن أم سليم " بضم السين وفتح اللام ، وهي أم أنس رضي الله تعالى عنه ، وفي رواية وهيب ، عن أيوب كما سيأتي : " كانت أم سليم في الثقل " ، وفي رواية سليمان التيمي ، عن أنس : " كانت أم سليم مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم " ، أخرجه مسلم من طريق يزيد بن زريع ، وحكى عياض أن في رواية السمرقندي في مسلم أم سلمة بدل أم سليم ، قيل : إنه تصحيف ؛ لأن الروايات تظاهرت بأنها أم سليم .
قوله : " ويحك " قد مر غير مرة أن كلمة ويحك كلمة ترحم وتوجع ، يقال لمن يقع في أمر لا يستحقه ، وانتصابه على المصدرية ، وقد ترفع ، وتضاف ، ولا تضاف ، يقال : ويح زيد ، وويحا له ، وويح له .
قوله : " يا أنجشة " ، بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم وبالشين المعجمة ، ثم بهاء التأنيث ، ووقع في رواية وهيب يا أنجش ، بالترخيم ، قال البلاذري : كان أنجشة حبشيا ، يكنى أبا مارية ، وفي التوضيح : أنجشة غلام أسود للنبي صلى الله عليه وسلم ، ذكروه في الصحابة ، قلت : ذكره أبو عمر في الاستيعاب : أنجشة العبد الأسود ، كان يسوق ، أو يقود بنساء النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عام حجة الوداع ، وكان حسن الصوت ، وكان إذا حدا اعتنقت الإبل ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : " يا أنجشة ، رويدك بالقوارير " ، وأخرج الطبراني من حديث واثلة أنه كان ممن نفاهم النبي صلى الله عليه وسلم من المخنثين .
قوله : " رويدك " كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية سليمان التيمي : " رويدا " ، وفي رواية شعبة : " أرفق " ، ووقع في رواية حميد : " رويدك أرفق " جمع بينهما ، ووقع في رواية ، عن حميد كذاك سوقك ، وهي بمعنى كفاك .
وقال عياض : رويدا منصوب على أنه صفة لمحذوف ، أي سق سوقا رويدا ، أو أحد حدوا رويدا ، أو على المصدر ، أي أرود رويدا مثل أرفق رفقا ، أو على الحال ، أي سر رويدا ، ورويدك منصوب على الإغراء ، أو مفعول بفعل مضمر ، أي الزم رفقك ، وقال الراغب : رويدا من أرود يرود ، كأمهل يمهل ، وزنه ومعناه ، وهو من الرود بفتح أوله وسكون ثانيه ، وهو الترود في طلب الشيء برفق ، راد وارتاد ، والرائد طالب الكلأ ، ورادت المرأة ترود إذا مشت على هينتها .
وقال الرامهرمزي : رويدا تصغير رود ، وهو مصدر فعل الرائد ، وهو المبعوث في طلب الشيء ، ولم يستعمل في معنى المهلة إلا مصغرا ، قال : وذكر صاحب العين أنه إذا أريد به معنى الترديد في الوعيد لم ينون ، قوله : " سوقك " كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية حميد : " سيرك " وهو بالنصب على نزع الخافض ، أي أرفق في سوقك .
وقال القرطبي : رويد أي أرفق ، وسوقك مفعول به ، ووقع في رواية مسلم : " سوقا " ، وقيل : رويدك إما مصدر ، والكاف في محل خفض ، وإما اسم فعل والكاف حرف خطاب ، وسوقك بالنصب على الوجهين ، والمراد به حدوك إطلاقا لاسم المسبب على السبب ، وقال ابن مالك : رويدك اسم فعل بمعنى أرود ، أي أمهل ، والكاف المتصلة به حرف الخطاب ، وفتحة داله بنائية ، ولك أن تجعل [22/186] رويدك مصدرا مضافا إلى الكاف ، ناصبها سوقك ، وفتحة داله على هذا إعرابية ، قوله : " بالقوارير " جمع قارورة من الزجاج ، سميت بها لاستقرار الشراب فيها ، وفي رواية هشام ، عن قتادة : " رويدك سوقك " ، ولا تكسر القوارير ، وزاد حماد في روايته ، عن أيوب قال أبو قلابة : يعني النساء ، وفي رواية همام ، عن قتادة : " لا تكسر القوارير " قال قتادة : يعني ضعفة النساء ، وقال ابن الأثير : شبه النساء بالقوارير من الزجاج ؛ لأنه يسرع إليها الكسر ، وكان أنجشة يحدو ، وينشد القريض والرجز ، فلم يأمن أن يصيبهن ، أو يقع في قلوبهن حداؤه ، فأمره بالكف عن ذلك ، وفي المثل الغناء رقية الزنا ، وقيل : أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي ، واشتدت فأزعجت الراكب ، وأتعبته ، فنهاه عن ذلك ؛ لأن النساء يضعفن من شدة الحركة .
وقال الرامهرمزي : كنى عن النساء بالقوارير ؛ لرقتهن وضعفهن عن الحركة ، والنساء يشبهن بالقوارير في الرقة واللطافة ، وضعف البنية ، وقيل : سقهن كسوقك القوارير ، لو كانت محمولة على الإبل ، وقيل : شبههن بالقوارير لسرعة انقلابهن عن الرضا ، وقلة دوامهن على الوفاء ، كالقوارير يسرع إليها الكسر ، ولا تقبل الجبر ، وقال الطيبي : هي استعارة ؛ لأن المشبه به غير مذكور ، والقرينة حالية لا مقالية ، ولفظ الكسر ترشيح لها .
قوله : " قال أبو قلابة "هو الراوي عن أنس ، " تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة وهي سوق القوارير " ، قوله : " لو تكلم بها " ، أي بهذه الكلمة بعضكم لعبتموها عليه ، أي على الذي تكلم بها .
وقال الكرماني : فإن قلت : هذه استعارة لطيفة بليغة فلم تعاب ؟ قلت : لعله نظر إلى أن شرط الاستعارة أن يكون وجه الشبه جليا بين الأقوام ، وليس بين القارورة والمرأة وجه الشبه ظاهرا ، والحق أنه كلام في غاية الحسن ، والسلامة عن العيوب ولا يلزم في الاستعارة أن يكون جلاء الوجه من حيث ذاتهما ، بل يكفي الجلاء الحاصل من القرائن الجاعلة للوجه جليا ظاهرا ، كما في المبحث ، ويحتمل أن يكون قصد أبي قلابة أن هذه الاستعارة تحسن من مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغة ، ولو صدرت ممن لا بلاغة له لعبتموها ، وهذا هو اللائق بمنصب أبي قلابة ، والله أعلم .