باب قول الرجل : جعلني الله فداءك

أي : هذا باب في بيان قول الرجل لآخر جعلني الله فداءك هل يباح ذلك ، أو يكره ؟ وقد جمع أبو بكر بن عاصم الأخبار الدالة على الجواز ، وجزم بجواز ذلك فقال : للمرء أن يقول ذلك لسلطانه ، ولكبيره ، ولذوي العلم ، ولمن أحب من إخوانه غير محظور عليه ذلك ، بل يثاب عليه إذا قصد توقيره ، واستعطافه ، ولو كان ذلك محظورا لنهي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قائل ذلك .
وقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فديناك بآبائنا وأمهاتنا .

قال بعضهم : هو طرف من حديث لأبي سعيد رضي الله تعالى عنه تقدم موصولا في مناقب أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، قلت : ليس كذلك ، بل هذا تنويه للطالب ؛ لأن الذي في مناقب أبي بكر رضي الله تعالى عنه عن بسر بن سعيد ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، الحديث ، وليس فيه لفظ فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، وإنما هذه الألفاظ في حديث رواه عبيد بن حنين ، عن أبي سعيد الخدري في باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ، فقال : إن عبدا خيره الله ... الحديث ، وفيه لفظ : فديناك بآبائنا وأمهاتنا .
206 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق ، عن أنس بن مالك أنه أقبل هو وأبو طلحة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع النبي - صلى الله عليه وسلم - صفية مردفها على راحلته ، فلما كانوا ببعض الطريق عثرت الناقة ، فصرع النبي - صلى الله عليه وسلم - والمرأة ، وأن أبا طلحة قال : أحسب اقتحم عن بعيره ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا نبي الله ، جعلني الله فداك ، هل أصابك من شيء قال : لا ، ولكن عليك بالمرأة ، فألقى أبو طلحة ثوبه على وجهه فقصد قصدها ، فألقى ثوبه عليها ، فقامت المرأة فشد لهما على راحلتهما ، فركبا ، فساروا حتى إذا كانوا بظهر المدينة ، أو قال : أشرفوا على المدينة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ، فلم يزل يقولها حتى دخل المدينة .

مطابقته للترجمة في قوله : جعلني الله فداك ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وبشر بكسر الباء الموحدة ، وسكون الشين المعجمة ابن المفضل بفتح الضاد المعجمة ابن لاحق البصري ، ويحيى بن أبي إسحاق ، مولى الحضارمة البصري ، والحديث مضى في الجهاد عن معمر في باب ما يقول إذا رجع من الغزو ، وفي اللباس عن الحسن بن محمد بن الصباح ، ومر الكلام فيه .
قوله : " أقبل " أي من عسفان إلى المدينة ، قوله " صفية " هي بنت حيي أم المؤمنين ، قوله : " وأن أبا طلحة " هو زيد بن سهل زوج أم أنس رضي الله تعالى عنهم ، قوله : " عليك بالمرأة " هي صفية ، أي : احفظها وانظر في أمرها ، وكذلك قوله : " والمرأة " ، قوله : " اقتحم عن بعيره " أي رمى نفسه من غير روية ، قوله : " فألقى ثوبه " من الإلقاء ، وهكذا رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : فألوى ، يقال : ألوى بالشيء ذهب به ، ولعل أصله فألوى بثوبه ، فحذفت الباء ، قوله : " فقصد قصدها " أي : نحا نحوها ومشى إلى جهتها ، قوله : " بظهر المدينة " أي ظاهرها ، وقال ابن بطال : فيه رد قول من قال : لا يجوز تفدية الرجل بنفسه ، أو بأبويه ، وزعم أنه إنما فدى النبي - صلى الله عليه وسلم - سعدا بأبويه ؛ لأنهما كانا مشركين ، فأما المسلم فلا يجوز له ذلك .