باب كنية المشرك

أي : هذا باب فيه هل يجوز كنية المشرك ابتداء ، وإذا كانت له كنية هل يجوز خطابه بها ، وهل يجوز ذكره بها إذا كان غائبا .
وقال مسور : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إلا أن يريد ابن أبي طالب .

هذا التعليق سقط من رواية النسفي وثبت للباقين . قوله : " مسور " كذا هو مجرد عن الألف واللام ، ووقع في رواية أبي نعيم المسور ، وهو الأشهر ، بكسر الميم ، وسكون السين المهملة ابن مخرمة الزهري ، وقد تعدد ذكره ، ووصل البخاري هذا التعليق بتمامه في باب ذب الرجل عن ابنته في أواخر كتاب النكاح ، حدثنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول وهو على المنبر : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب ، فلا آذن ، ثم لا آذن ، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي ، وينكح ابنتهم ، الحديث .
229 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، وحدثنا إسماعيل ، قال : حدثني أخي ، عن سليمان ، عن محمد بن أبي عتيق ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية ، وأسامة وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر ، فسارا حتى مرا بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول ، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي ، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين ، والمشركين عبدة الأوثان ، واليهود ، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة ، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أبي أنفه بردائه ، وقال : لا تغبروا علينا ، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ، ثم وقف ، فنزل فدعاهم إلى الله ، وقرأ عليهم القرآن ، فقال له عبد الله بن أبي ابن سلول : أيها المرء لا أحسن مما تقول إن كان حقا ، فلا تؤذنا به في مجالسنا ، فمن جاءك فاقصص عليه ، قال عبد الله بن رواحة : بلى يا رسول الله ، فاغشنا به في مجالسنا ، فإنا نحب ذلك ، فاستب المسلمون ، والمشركون ، واليهود حتى كادوا يتثاورون ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته ، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي سعد ، ألم تسمع ما قال أبو حباب ، يريد عبد الله بن أبي ، قال : كذا ، وكذا ، فقال سعد بن عبادة : أي رسول الله ، بأبي أنت اعف عنه واصفح ، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه ، ويعصبوه بالعصابة ، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك ، فذلك الذي فعل به ما رأيت ، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين ، وأهل الكتاب كما [22/217] أمرهم الله ، ويصبرون على الأذى ، قال الله تعالى : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الآية ، وقال : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به حتى أذن له فيهم ، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا فقتل الله بها من قتل من صناديد الكفار ، وسادة قريش ، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منصورين غانمين معهم أسارى من صناديد الكفار ، وسادة قريش ، قال ابن أبي ابن سلول ، ومن معه من المشركين عبدة الأوثان : هذا أمر قد توجه ، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام ، فأسلموا .

مطابقته للترجمة في قوله : أبو حباب " ، فإنه كنية عبد الله بن أبي ، وهو بضم الحاء المهملة ، وتخفيف الباء الموحدة ، وفي آخره باء موحدة أيضا ، وهو اسم الشيطان ، ويقع على الحية أيضا ، وقيل : الحباب حية بعينها ، والحباب بفتح الحاء الطل الذي يصبح على النبات ، وحباب الماء نفاخاته التي تطفو عليه .
وأخرج هذا الحديث من طريقين أحدهما : عن أبي اليمان الحكم بن نافع ، عن شعيب ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن عروة ، والآخر عن إسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس ، عن أخيه عبد الحميد ، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن أبي عتيق بفتح العين المهملة ، وكسر التاء المثناة من فوق ، واسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يروي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن أسامة بن زيد بن حارثة .
والحديث مضى في الجهاد مختصرا في باب الردف على الحمار ، ومضى في تفسير سورة آل عمران بطوله ، ومضى الكلام فيه هناك ، ولنذكر بعض شيء .
فقوله : قطيفة هي الكساء نسبة إلى فدك بفتح الفاء ، والدال المهملة ، والكاف ، وهي قرية بقرب المدينة . قوله : " من بني الحارث " ، ويروى من بني حارث بدون الألف واللام . قوله : " ابن سلول " بالرفع ؛ لأنه صفة لعبد الله ، وسلول اسم أمه . قوله : " واليهود " عطف على العبدة ، أو على المشركين . قوله : " عجاجة الدابة " بفتح العين المهملة ، وتخفيف الجيم الأولى ، وهي الغبار . قوله : " خمر عبد الله " ، أي : غطى . قوله : " لا تغبروا علينا " ، أي : لا تثيروا الغبار . قوله : " لا أحسن " أفعل التفضيل ، أي : لا أحسن من القرآن إن كان حقا ، ويجوز أن يكون إن كان حقا شرطا ، وقوله : " فلا تؤذنا " جزاؤه ، قيل : قاله استهزاء . قوله : " يتثاورون " ، أي : يتواثبون . قوله : " أي سعد " ، يعني : يا سعد . قوله : " بأبي أنت " ، أي : أنت مفدى بأبي . قوله : " هذه البحرة " ، أي : البلدة ، ويروى البحيرة بالتصغير . قوله : " وتوجوه " ، أي : جعلوه ملكا ، وعصبوا رأسه بعصابة الملك ، وهذا كناية ، ويحتمل إرادة الحقيقة أيضا . قوله : " شرق " بفتح الشين المعجمة ، وكسر الراء ، أي : غص به وبقي في حلقه لا يصعد ، ولا ينزل كأنه يموت . قوله : " يتأول " من التأول ، والتأويل ما يؤول إليه الشيء . قوله : " من صناديد الكفار " جمع الصنديد ، وهو السيد الشجاع . قوله : " فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، أي : رجع . قوله : " قد توجه " ، أي : أقبل على التمام ، ويقال : توجه الشيخ ، أي : كبر . قوله : " وبايعوا " بلفظ الأمر أولا ، والماضي ثانيا .