باب من لم يسلم على من اقترف ذنبا ، ولم يرد سلامه حتى تتبين توبته ، وإلى متى تتبين توبة العاصي

أي : هذا باب في بيان أمر من لا يسلم على من اقترف ، أي : على من اكتسب ذنبا ، هذا تفسير الأكثرين ، وقال أبو عبيدة الاقتراف التهمة هذا حكم ، وقوله : " وإلى متى تتبين توبة العاصي " حكم آخر ، فالحكم الأول فيه خلاف ، فعند الجمهور لا يسلم على الفاسق ، ولا على المبتدع ، وقال النووي : وإن اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين ، أو دنيا إن لم يسلم سلم ، وكذا قال ابن العربي ، وزاد : إن السلام اسم من أسماء الله تعالى ، فكأنه قال : الله رقيب عليكم ، وقال ابن وهب : يجوز ابتداء السلام على كل أحد ، ولو كان كافرا ، واحتج بقوله تعالى : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ورد عليه بأن الدليل أعم من المدعى ، والحكم الثاني هو قوله : " وإلى متى تتبين توبة العاصي " ، أي : إلى متى يظهر صحة توبته ، وأراد أن مجرد التوبة لا توجب الحكم بصحتها ، بل لا بد من مضي مدة يعلم فيها بالقرائن صحتها من ندامته على الفائت ، وإقباله على التدارك ونحوه ، وقال ابن بطال : ليس في ذلك حد محدود ، ولكن معناه أنه لا تتبين توبته من ساعته ، ولا يومه حتى يمر عليه ما يدل على ذلك ، وقيل يستبرأ حاله بسنة ، وقيل : بستة أشهر ، وقيل : بخمسين يوما كما في قصة كعب ، ورد هذا بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يحده بخمسين يوما ، وإنما أخر كلامهم إلى أن أذن الله عز وجل فيه ، وهي واقعة حال لا عموم فيها ، ويختلف حكم هذا باختلاف الجناية ، والجاني .
وقال عبد الله بن عمر : لا تسلموا على شربة الخمر .

مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة ، والشربة بفتحتين جمع شارب ، وقال ابن التين : لم يجمعه اللغويون كذلك ، وإنما قالوا : شارب ، وشرب مثل صاحب وصحب ، قلت : عبد الله من الفصحاء ، وأي لغوي يدانيه ، وقد جاء هذا الجمع نحو فسقة في جمع فاسق ، وكذبة في جمع كاذب ، وهذا الأثر وصله البخاري في الأدب المفرد من طريق حبان بن أبي جبلة بفتح الجيم ، والباء الموحدة عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ : لا تسلموا على شارب الخمر ، وأخرج الطبري عن علي رضي الله تعالى عنه نحوه .
28 - حدثنا ابن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن شهاب ، عن عبد الرحمن بن [22/248] عبد الله أن عبد الله بن كعب قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن تبوك ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه ، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ، حتى كملت خمسون ليلة وآذن النبي صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر .

هذا حديث طويل في قصة توبة كعب بن مالك ساقها في غزوة تبوك ، واختصره البخاري هنا ، وذكر القدر المذكور لحاجته إليه هنا ، وفيه ما ترجم به من ترك السلام تأديبا وترك الرد أيضا ، فإن قلت : قد أمر بإفشاء السلام ، وهو عام ، قلت : قد خص به هذا العموم عند الجمهور .
وابن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير ، وعقيل بضم العين ابن خالد ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي المدني يروي عن أبيه عبد الله بن كعب ، وعبد الله يروي عن أبيه كعب بن مالك الأنصاري .
قوله : " وآتي " بمد الهمزة فعل المتكلم من المضارع من الإتيان وبين قوله : ونهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبين قوله : وآتي جمل كثيرة ، فإذا رجعت إلى هذه في المغازي وقفت عليها ، وآذن بالمد ، أي : أعلم .