الحديث الثالث :
578 - حدثنا يحيى بن بكير : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة أخبرته ، قالت : كن نساء المؤمنات [3/224] يشهدن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة ، لا يعرفهن أحد من الغلس
.

( المروط ) : الأكسية ، وقد سبق تفسيرها .
و ( التلفع ) : تغطية الرأس .
وروي عن مالك : ( متلففات ) - بفائين - ، والمشهور عنه : ( متلفعات ) أيضا - بالعين ، كرواية الأكثرين .
والحديث عند مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة .
وقد خرجه من طريقه البخاري في موضع آخر من ( كتابه ) ومسلم - أيضا .
وخرجه البخاري - أيضا - من رواية فليح ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة - بنحوه .
والحديث : يدل على تغليس النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفجر ، فإنه كان يطيل فيها القراءة ، ومع هذا فكان ينصرف منها بغلس .
فإن قيل : ففي حديث أبي برزة ، أنه كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ، وهذا يخالف حديث عائشة .
قيل : لا اختلاف بينهما ، فإن معرفة الرجل رجلا يجالسه في ظلمة الغلس ، لا يلزم منه معرفته في ذلك الوقت امرأة منصرفة متلفعة بمرطها ، متباعدة عنه .
وروى الشافعي حديث أبي برزة في كتاب ( اختلاف علي وعبد الله ) ، عن ابن علية ، عن عوف ، عن أبي المنهال ، عن أبي برزة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان [3/225] يصلي الصبح ، ثم ننصرف وما يعرف الرجل منا جليسه .
قال البيهقي : هذا الكتاب لم يقرأ على الشافعي ، فيحتمل أن يكون قوله : ( وما يعرف الرجل منا جليسه ) وهما من الكاتب ؛ ففي سائر الروايات : ( حتى يعرف الرجل منا جليسه ) . انتهى .
والظاهر : أن أبا برزة أراد أن الرجل إنما كان يعرف جليسه إذا تأمل وردد فيه نظره .
ويدل عليه : أحاديث أخر ، منها : حديث قيلة بنت مخرمة ، أنها قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي بالناس صلاة الغداة ، وقد أقيمت حين انشق الفجر ، والنجوم شابكة في السماء ، والرجال لا تكاد تتعارف مع ظلمة الليل .
خرجه الإمام أحمد .
وهو إخبار عن حال الصلاة دون الانصراف منها .
وروى أبو داود الطيالسي وغيره من رواية حرملة العنبري ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فصليت معه الغداة ، فلما قضى الصلاة نظرت في وجوه القوم ، ما أكاد أعرفهم .
وخرج البزار والإسماعيلي من رواية حرب بن سريج ، عن محمد بن علي بن حسين ، عن محمد ابن الحنفية ، عن علي بن أبي طالب ، قال : كنا نصلي [3/226] مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح ، وما يعرف بعضنا وجه بعض .
حرب بن سريج ، قال أحمد : ليس به بأس ، ووثقه ابن معين . قال أبو حاتم : ليس بقوي ؛ منكر عن الثقات .
وفي الباب أحاديث أخر .
والكلام هاهنا في مسألتين :
المسألة الأولى :
في وقت الفجر :
أما أول وقتها : فطلوع الفجر الثاني ، هذا مما لا اختلاف فيه .
وقد أعاد أبو موسى وابن عمر صلاة الفجر لما تبين لهما أنهما صليا قبل طلوع الفجر .
وروى ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : الفجر فجران : فجر يطلع بليل ، يحل فيه الطعام والشراب ولا يحل فيه الصلاة . وفجر تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام والشراب ، وهو الذي ينتشر على رءوس الجبال .
ورواه أبو أحمد الزبيري ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، فرفعه .
خرجه من طريقه ابن خزيمة وغيره .
والموقوف أصح ، قاله البيهقي وغيره
.
وروى ابن أبي ذئب ، عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( الفجر فجران ، فإن الفجر الذي يكون كذنب السرحان فلا يحل الصلاة فيه [3/227] ولا يحرم الطعام ) .
وروي عن ابن أبي ذئب - بهذا الإسناد - مرسلا من غير ذكر : جابر .
قال البيهقي : هو أصح
.
وأما آخر وقت الفجر : فطلوع الشمس ، هذا قول جمهور العلماء من السلف والخلف ، ولا يعرف فيه خلاف ، إلا عن الإصطخري من الشافعية ، فإنه قال : إذا أسفر الوقت جدا خرج وقتها وصارت قضاء .
ويرد قوله : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ) .
وفي ( صحيح مسلم ) عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس ) .
وفي رواية له - أيضا - : ( وقت الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول ) .
المسألة الثانية :
في أن الأفضل : هل هو التغليس بها في أول وقتها ، أم الإسفار بها ؟ وفيه قولان :
أحدهما : أن التغليس بها أفضل ، وروي التغليس بها عن أبي بكر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبي موسى ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وأنس بن مالك ، وأبي هريرة ، ومعاوية ، وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول الليث ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد في إحدى الروايتين عنه ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود .
[3/228] وقد ذكرنا في هذا الباب عامة أحاديث التغليس بالفجر .
وذهب آخرون إلى أن الإسفار بها أفضل ، وروي الإسفار بها عن عثمان ، وعلي وابن مسعود .
روى الأوزاعي : حدثني نهيك بن يريم الأوزاعي : حدثني مغيث بن سمي ، قال : صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس ، فلما سلم أقبلت على ابن عمر ، فقلت : ما هذه الصلاة ؟ قال : هذه صلاتنا ، كانت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، فلما طعن عمر أسفر بها عثمان .
خرجه ابن ماجه .
وذكر الترمذي في ( علله ) عن البخاري ، أنه قال : هو حديث حسن
.
وقال يزيد الأودي : كنت أصلي مع علي صلاة الغداة ، فتخيل إليّ أنه يستطلع الشمس .
وقال علي بن ربيعة : سمعت عليا يقول : يا ابن التياح ، أسفر أسفر بالفجر .
وقال أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود ، أنه كان يسفر بصلاة الغداة .
وقال نافع بن جبير : كتب عمر إلى أبي موسى أن صل الفجر إذا نور النور .
وممن كان يرى التنوير بها : الربيع بن خثيم وسعيد بن جبير ، وكان النخعي [3/229] يسفر بها .
ذكر ذلك كله أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) بأسانيده .
وقال : رأينا سفيان يسفر بها .
وممن رأى الإسفار بها : طاوس وفقهاء الكوفيين ، مثل : سفيان والحسن بن حي وأبي حنيفة وأصحابه .
وروى وكيع ، عن سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ، قال : ما اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر .
وروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن أبي الدرداء ، قال : أسفروا بهذه الصلاة ، فإنه أفقه لكم .
واستدل من رأى الإسفار : بما روى عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( أسفروا بالفجر ؛ فإنه أعظم للأجر ) .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي .
وقال : حديث حسن صحيح .
وخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) .
وقال العقيلي : إسناده جيد .
قال الأثرم : ليس في أحاديث هذا الباب أثبت منه .
يشير إلى أن في الباب أحاديث وهذا أثبتها ، وهو كما قال .
وأجاب من يرى التغليس أفضل عن هذا بأجوبة : [3/230] منها : تضعيفه ، وسلك ذلك بعض أصحابنا الفقهاء ، وسلكه ابن عبد البر ، وقال : مدار الحديث على عاصم بن عمر بن قتادة ، وليس بالقوي .
كذا قال ؛ وعاصم هذا مخرج حديثه في ( الصحيحين ) ، وقال ابن معين وأبو زرعة : ثقة .
وقد يعلل هذا بالاختلاف في إسناده على عاصم بن عمر بن قتادة :
فرواه ابن إسحاق وابن عجلان ، عن عاصم ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع كما تقدم .
ورواه زيد بن أسلم ، عن عاصم بن عمر ، واختلف عنه :
فرواه أبو غسان ، عن زيد بن أسلم ، عن عاصم ، عن محمود بن لبيد ، عن رجال من قوم من الأنصار ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما أسفرتم بالصبح ، فإنه أعظم للأجر ) .
وخرجه من طريقه النسائي كذلك .
ورواه يعقوب بن عبد الرحمن القاري ، عن زيد بن أسلم ، عن عاصم ، عن رجال من قومه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر : محمود بن لبيد .
ورواه هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن محمود بن لبيد ، عن رجال من الصحابة - ولم يذكر : عاصما .
ورواه وكيع ، عن هشام ، عن زيد - مرسلا .
ورواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن محمود بن لبيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
[3/231] وخرجه من طريقه الإمام أحمد .
وروي عن شعبة ، عن أبي داود ، عن زيد بن أسلم ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع .
قال البزار : أبو داود هذا هو الجزري ، لم يسند عنه شعبة إلا هذا .
وقال أبو حاتم الرازي : شيخ واسطي مجهول .
ورواه بقية ، عن شعبة ، عن داود البصري ، عن زيد .
وزعم بعضهم : أنه داود بن أبي هند ، وهو بعيد .
وزيد بن أسلم لم يسمع من محمود بن لبيد .
ورواه يزيد بن عبد الملك ، عن زيد بن أسلم ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وهو وهم . قاله الدارقطني وغيره .
ورواه إسحاق الحنيني ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن بجيد الحارثي ، عن جدته حواء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ولم يتابع عليه الحنيني ، وهو وهم منه ، قاله الدارقطني ، وأشار إليه الأثرم وغيره .
ورواه فليح بن سليمان ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن أبيه ، عن [3/232] جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
قال البزار : لا نعلم أحدا تابع فليحا على هذا الإسناد .
والصواب من الخلاف على زيد بن أسلم ، عن عاصم ، عن محمود ، عن رافع - : قاله الدارقطني .
قلت : أما ابن إسحاق وابن عجلان فروياه عن عاصم بهذا الإسناد ، وأما زيد فاختلف عنه كما ترى ، ولا نعلم أحدا قال عنه مثل قول ابن إسحاق وابن عجلان ، فكيف يكون هو الصواب عن زيد ؟ فرجع الأمر إلى ما رواه ابن إسحاق وابن عجلان ، عن عاصم وليسا بالمبرزين في الحفظ .

ومنها : تأويله ، واختلف المتأولون له :
فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم : المراد بالإسفار : أن يتبين الفجر ويتضح ، فيكون نهيا عن الصلاة قبل الوقت ، وقبل تيقن دخول الوقت .
وذكر الشافعي : أنه يحتمل أن بعض الصحابة كان يصلي قبل الفجر الثاني ، فأمر بالتأخير إلى تبين الفجر وتيقنه .
ورد ذلك بعضهم بأن قوله : ( هو أعظم للأجر ) يدل على أن في ترك هذا الإسفار أجرا ، ولا أجر في الصلاة قبل وقتها إلا بمعنى أنها تصير نافلة .
ومنهم من قال : أمروا أن لا يدخلوا في صلاة الفجر حتى يتيقنوا طلوع الفجر ، وقيل لهم : هو أفضل من الصلاة بغلبة الظن بدخوله .
وهذا جواب من يقول بجواز الدخول في الصلاة إذا غلب على الظن دخول وقتها من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وغيره ، وأكثر أصحاب الشافعي ، وحملوا حديث ابن مسعود في تقديم النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم النحر بالمزدلفة على أنه صلاها يومئذ بغلبة ظن دخول الوقت .
[3/233] وكلام أحمد يدل على أنه لا يدخل في الصلاة حتى يتيقن دخول وقتها كما سبق .
ومن أصحابنا من حمل حديث ابن مسعود في الصلاة بالمزدلفة على أن عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بعد تيقن طلوع الفجر تأخير الصلاة بقدر الطهارة والسعي إلى المسجد ، ولم يؤخر هذا القدر بالمزدلفة . وهذا أشبه .
واستدل بعض من فسر الإسفار المأمور به بتبين الفجر : بأن العرب تقول : أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته وأبانت عنه فدل على أن الإسفار هو التبيين والظهور .
وفي هذا نظر ؛ فإنه لا يعرف في اللغة أسفرت المرأة عن وجهها ، إنما يقال : سفرت ، وأما الإسفار فإنما يقال في الفجر والصبح ، يقال : سفر ، وأسفر ؛ قال تعالى : وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ومعناه أضاء وأنار ، ويقال : أسفر وجهه من السرور ، إذا أنار ، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سر استنار وجهه كأنه فلقة قمر . ومنه قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ فليس معنى قوله : ( أسفروا بالفجر ) إلا أنيروا به .
لكن : هل المراد إنارة الأفق بطلوع الفجر فيه ابتداء ، أم إنارة الأرض بظهور النور على وجهها ؟ هذا محل نظر .
وحمله على الأول أقرب ؛ لأنه موافق فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين .
وعلى هذا المعنى يحمل كلام أحمد ، بل هو ظاهره أو صريحه ، وهو حسن .
ويدل عليه : ما روى مسلم الملائي ، عن مجاهد ، عن قيس بن السائب ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصبح إذا يغشى النور السماء . وذكر الحديث .
خرجه الطبراني .
[3/234] وقال آخرون : بل الإسفار يكون باستدامته الصلاة ، لا بالدخول فيها ، فيدخل فيها بغلس ، ويطيلها حتى يخرج منها وقد أسفر الوقت .
وقد روي هذا المعنى عن عطاء ، وقاله - أيضا - من أصحابنا : أبو حفص البرمكي والقاضي أبو يعلى في ( خلافه الكبير ) ، ورجحه الطحاوي .
ويعضد هذا : حديث أبي برزة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينصرف من صلاة الفجر حتى يعرف الرجل جليسه ، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة .
وقد رد هذا القول على من قاله كثير من العلماء ، منهم : الشافعي وابن عبد البر والبيهقي ، وقال : أكثر الأحاديث تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل فيها بغلس ، ويخرج منها بغلس ؛ لحديث عائشة وغيره ، وكذلك أكثر أصحابنا ، وإن كان منهم من كان يخرج منها بإسفار ويطيل القراءة ، كما روي عن الصديق لما قرأ بالبقرة ، وعن عمر - أيضا .
وقد روي أن عمر هو الذي مد القراءة في الفجر ، وروي عن عثمان أنه تبعه على ذلك .
وروي عن علي ، أنه كان يقصر فيها القراءة ، ولعله لما كان يسفر بها .
ومن الناس من ادعى أن في هذه الأحاديث ناسخا ومنسوخا ، وهم فرقتان .
فرقة منهم ادعت أن الأحاديث في الإسفار منسوخة .
واستدلوا بما في حديث أسامة بن زيد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن بشير بن أبي مسعود ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديث المواقيت بطوله ، وقال [3/235] في آخره : وصلى الصبح مرة بغلس ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ، لم يعد إلى أن يسفر .
خرجه أبو داود .
وقد تقدم أن أسامة تفرد به بهذا الإسناد ، وإنما أصله : عن الزهري - مرسلا
.
وفرقة ادعت أن أحاديث التغليس منسوخة بالإسفار ، منهم : الطحاوي .
وزعم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغلس بالفجر قبل أن تتم الصلوات لما قدم المدينة ، ثم لما أتمت الصلوات أربعا أربعا أطال في قراءة الفجر ، وغلس بها حينئذ .
وأخذه من حديث عائشة الذي ذكرناه في أول ( الصلاة ) : أن الصلوات أتمت بالمدينة أربعا ، وأقرت الفجر لطول القراءة .
وهذا في غاية البعد ، ولم ترد عائشة أنه حينئذ شرعت طول القراءة فيها عوضا عن الإتمام ، وإنما أخبرت أنها تركت على حالها لما فيها من طول القراءة ، ولم ينقل أحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخفف القراءة في الفجر ثم أطالها ، ولا أنه لما كان يخففها كان يسفر بها ، وكل هذه ظنون لا يصح منها شيء .
واختلف القائلون باستحباب التغليس بها إذا كان جيران المسجد يشق عليهم التغليس ، ولا يجتمعون في المسجد إلا عند الإسفار : هل الأفضل حينئذ التغليس ، أم الإسفار ؟
فقالت طائفة : التغليس أفضل بكل حال وهو قول مالك والشافعي وحكي رواية عن أحمد . وقالت طائفة : الإسفار حينئذ أفضل ، وهو منصوص أحمد في رواية غير واحد من أصحابه .
[3/236] وجعله القاضي أبو يعلى في ( خلافة الكبير ) [و] في ( جامعه الكبير ) مذهب أحمد رواية واحدة ، ولم يحك عنه في ذلك خلافا في هذين الكتابين ، وهما من آخر كتبه .
واستدلوا بحديث جابر في مراعاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حال المأمومين في العشاء الآخرة ، وقد سبق .
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بذلك معاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن ، فأمره أن يغلس بالفجر في الشتاء ؛ لطول الليل واستيقاظ الناس في أول الوقت ، وأن يؤخر في الصيف ، لأن الناس ينامون لقصر الليل فيه .
وحمل بعض أصحابنا أحاديث الأمر بالإسفار على حالة تأخير المأمومين .
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعجل الصبح تارة ، ويؤخرها تارة ، وعن جماعة من السلف .
فروى الإمام أحمد : حدثنا أبو أحمد الزبيري : ثنا أبو شعبة الطحان جار الأعمش ، عن أبي الربيع ، قال : قلت لابن عمر : إني أصلي معك الصبح ، ثم ألتفت فلا أرى وجه جليسي ، ثم أحيانا تسفر ؟ قال : كذلك رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، وأحببت أن أصليها كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليها .
وهذا إسناد ضعيف .
نقل البرقاني ، عن الدارقطني ، قال : أبو شعبة متروك ، وأبو الربيع : مجهول .
وروينا من طريق أبي خالد الواسطي ، عن زيد بن علي ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الفجر فيغلس ويسفر ، ويقول : ( ما بين هذين وقت ، لئلا يختلف المؤمنون ) .
[3/237] قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن هذا الحديث ، فقال : أبو خالد الواسطي هو عمرو بن خالد ، ضعيف الحديث جدا
.
وروى بيان الرقاشي ، قال : قلت لأنس : حدثني عن وقت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة - فذكر حديث المواقيت ، وقال : كان يصلي الغداة عند الفجر إلى أن ينفسح البصر ، كل ذلك وقت .
بيان هذا هو ابن جندب ، يكنى أبا سعيد . وقال أبو داود : لا أعلم له إلا حديث المواقيت . وقال ابن معين : هو مجهول . وله شاهد من وجه آخر أقوى منه .

خرجه الإمام أحمد والنسائي من طريق شعبة ، عن أبي صدقة ، عن أنس ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الفجر إلى أن ينفسح البصر .
وأبو صدقة مولى أنس ، أثنى عليه شعبة خيرا ، ووثقه النسائي
.
وممن روي عنه التغليس والإسفار : عمر وعثمان وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم .
قال أبو نعيم : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن خرشة بن الحر ، قال : كان عمر يغلس بالفجر وينور .
وحدثنا سيف بن هارون ، عن عبد الملك بن سلع ، عن عبد خير ، قال : كان علي ينور بها أحيانا ، ويغلس بها أحيانا .
[3/238] وفعل هؤلاء يحتمل أمرين :
أحدهما : أن يكون ذلك على حسب مراعاة حال المأمومين في تقديمهم وتأخيرهم ، وقد روي هذا صريحا عن عمر .
والثاني : أن يكون التقديم والتأخير عندهم سواء في الفضل .
قال ابن عبد البر : ذهب طائفة إلى أن أول الوقت وآخره سواء في الفضل ؛ لقوله : ( ما بين هذين وقت ) .
قال : ومال إلى ذلك بعض أصحاب مالك ، وذهب إليه أهل الظاهر ، وخالفهم جمهور العلماء .
هذا ؛ مع أنه حكى عن داود أن التغليس بالفجر أفضل ، وحكى الاتفاق من المسلمين على أن التعجيل بالمغرب أفضل ، من يقول : لها وقت ، ومن يقول : إن وقتها متسع إلى العشاء .
واختلف - أيضا - من يقول بأن التغليس أفضل من الإسفار : هل حكمه كله واحد ، أو مختلف ؟
فقال أصحاب الشافعي : آخر وقت الاختيار إذا أسفر - أي أضاء - ، ثم يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس .
وقال الإصطخري منهم : يخرج الوقت بالإسفار جدا ، فتكون الصلاة معه قضاء ، وقد سبق حكاية قوله والرد عليه .
وقال بعض الشافعية : يكره تأخير الصبح بغير عذر إلى طلوع الحمرة - يعني : الحمرة التي قبيل طلوع الشمس .
واختلف أصحابنا في ذلك :
فمنهم من قال : وقتها كله مختار إلى طلوع الشمس ؛ لأن أبا موسى روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه سأله سائل عن وقت الصلاة ، فصلى بهم في يومين ، فقدم [3/239] في الأول ، [وأخر في الثاني] ، وأخر في اليوم الثاني الصبح حتى انصرف منها ، والقائل يقول : طلعت الشمس أو كادت .
خرجه مسلم .
وقد سبق عن علي بن أبي طالب نحو ذلك .
ومنهم من قال : يذهب وقت الاختيار بالإسفار ، ويبقى وقت الإدراك إلى طلوع الشمس ، وهو قول القاضي أبي يعلى في ( كتابه المجرد ) .
وقد روي عن أحمد ما يدل على كراهة التأخير إلى الإسفار الفاحش .
قال إسحاق بن هانئ في ( مسائله ) : خرجت مع أبي عبد الله من المسجد في صلاة الفجر ، وكان محمد بن محرز يقيم الصلاة ، فقلت لأبي عبد الله : هذه الصلاة على مثل حديث رافع بن خديج في الإسفار ؟ فقال : لا ، هذه صلاة مفرط ؛ إنما حديث رافع في الإسفار أن يرى ضوء الفجر على الحيطان . قال :
وسمعت أبا عبد الله يقول : الحديث في التغليس أقوى .
يشير أحمد إلى أنه مع تعارض الأحاديث يعمل بالأقوى منها ، وأحاديث التغليس أقوى إسنادا وأكثر .
وكذلك الشافعي أشار إلى ترجيح أحاديث التغليس بهذا ، وعضده موافقة ظاهر القرآن من الأمر بالمحافظة على الصلوات
.
وقد حمل أحمد حديث رافع في الإسفار في هذه الرواية على ظاهره ، لكنه فسر الإسفار برؤية الضوء على الحيطان ، وجعل التأخير بعده تفريطا ، وهذا [3/240] خلاف ما يقول أصحابنا .
وروى ابن القاسم ، عن مالك ، أن آخر وقتها الإسفار . وكذلك روى ابن عبد الحكم عنه ، أن آخر وقتها الإسفار الأعلى .
وهذا يشبه قول الإصطخري ، إلا أن يكون مراده آخر وقت الاختيار .
وأما من يرى أن الإسفار أفضل فلا كراهة عندهم في التأخير إلى قريب طلوع الشمس ، وهو أفضل عندهم ، وهو قول الثوري والحسن بن حي وأبي حنيفة وأصحابه .
واستدل من كره التأخير إلى شدة الإسفار بما روى الحارث بن وهب ، عن أبي عبد الرحمن الصنابحي ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تزال أمتي في مسكة ما لم يعملوا بثلاث : ما لم يؤخروا المغرب انتظار الظلام مضاهاة اليهود ، وما لم يؤخروا الفجر إمحاق النجوم مضاهاة النصارى ، وما لم يكلوا الجنائز إلى أهلها ) .
خرجه الإمام أحمد ، وهو مرسل .
وإن ثبت حمل على اجتماع الأمة على ذلك ؛ فإنه يخشى أن يظن أن ما قبل ذلك ليس بوقت .
والحارث بن وهب ، قال البخاري : روايته عن الصنابحي مرسلة . يعني : لم يسمع منه .