باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله

أي : هذا باب ترجمته كل لهو باطل ، وهي لفظ حديث أخرجه أحمد والأئمة الأربعة من حديث عقبة بن عامر رفعه "كل ما يلهو به المرء المسلم باطل إلا رمية بقوسه وتأديب فرسه وملاعبة أهله" ، ولما لم يكن هذا الحديث على شرطه جعل منه ترجمة ولم يخرجه في ( الجامع ) ، قوله : « كل لهو » كلام إضافي مرفوع على الابتداء ، قوله : « باطل » خبره ، قوله : « إذا شغله » الضمير المرفوع فيه يرجع إلى اللهو ، والمنصوب إلى اللاهي ، يدل عليه لفظ اللهو ، وقيد بقوله : « إذا شغله » إلخ ؛ لأنه إذا لم يشغله عن طاعة الله يكون مباحا ، وعليه أهل الحجاز ، ألا يرى أن الشارع أباح للجاريتين يوم العيد الغناء في بيت عائشة من أجل العيد ، كما مضى في كتاب العيدين ، وأباح لها النظر إلى لعب الحبشة بالحراب في المسجد ، ووجه ذكر هذا الباب في كتاب الاستئذان من حيث إن اللهو لا يكون إلا في المنازل ، ومنه القمار فلا يكون إلا في منزل خاص ، ودخول المنزل يحتاج إلى الاستئذان . .
ومن قال لصاحبه تعال أقامرك .

هذا عطف على ما قبله ، ومعناه : من قال هذا ما يكون حكمه ، قوله : « تعال » أمر من تعالى يتعالى تعاليا ، تقول تعال تعاليا تعالوا تعالي للمرأة تعاليا تعالين ، ولا يتصرف منه غير ذلك ، وقال الجوهري : ولا يجوز أن يقال منه تعاليت ولا ينهى منه ، وقال غيره : يجوز تعاليت . .
وقوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الآية .

هذا هكذا في رواية الأصيلي وكريمة ، وفي رواية أبي ذر : والأكثرين ، وقوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ الآية ، وتمام الآية لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ووجه ذكر هذه الآية عقيب الترجمة [22/274] المذكورة أنه جعل اللهو فيها قائدا إلى الضلال صادا عن سبيل الله فهو باطل ، وقيل : ذكر هذه الآية لاستنباط تقييد اللهو بالترجمة من مفهوم قوله تعالى : لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فإن مفهومه أنه إذا اشتراه لا ليضل لا يكون مذموما ، وكذا مفهوم الترجمة أنه إذا لم يشغله اللهو عن طاعة الله لا يكون مذموما ، كما ذكرناه الآن .
واختلف المفسرون في اللهو في الآية ، فقال ابن مسعود : الغناء ، وحلف عليه ثلاثا ، وقال : الغناء ينبت النفاق في القلب ، وقاله مجاهد أيضا ، وقيل : الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل ، وقيل : ما يلهاه من الغناء وغيره ، وعن ابن جريج : الطبل ، وقيل : الشرك ، وعن ابن عباس : نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية تغنيه ليلا ونهارا ، وقيل : نزلت في النضر بن الحارث ، وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشا ، ويقول : إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود ، فأنا أحدثكم بحديث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة ، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن ، قوله : « لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » أخذ البخاري منه قوله في الترجمة "إذا شغله عن طاعة الله" والمراد من سبيل الله : القرآن ، وقيل : دين الإسلام ، وقرئ ليضل ، بضم الياء وفتحها .
71 - حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من حلف منكم فقال في حلفه : باللات والعزى ، فليقل : لا إله إلا الله ، ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق .

مطابقته للترجمة من حيث إن الحلف باللات لهو شاغل عن الحلف بالحق ، فيكون باطلا .
ورجال الحديث قد ذكروا غير مرة .
والحديث مضى في التفسير في سورة "والنجم" عن عبد الله بن محمد عن هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن حميد ، ومضى أيضا في الأدب ، وأخرجه بقية الجماعة ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : « فليقل » إنما قال ذلك لأنه تعاطى صورة تعظيم الأصنام حين حلف بها ، فأمر أن يتداركه بكلمة التوحيد ، أي : كفارته كلمة الشهادة ، وكفارة الدعوى إلى القمار التصدق بما يطلق عليه اسم الصدقة ، قوله : « ومن قال لصاحبه » إلى آخره ، مطابق لقوله في الترجمة كذلك ، ولم يختلف العلماء في تحريم القمار لقوله تعالى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الآية ، واتفق أهل التفسير على أن الميسر هنا القمار ، وكان أهل الجاهلية يجعلون جعلا في المقامرة ويستحقونه بينهم ، فنسخ الله تعالى أفعال الجاهلية ، وحرم القمار ، وأمرهم بالصدقة عوضا مما أرادوا استباحته من الميسر المحرم ، وكانت الكفارة من جنس الذنب ؛ لأن المقامر لا يخلو إما أن يكون غالبا أو مغلوبا ، فإن كان غالبا فالصدقة كفارة لما كان يدخل في يده من الميسر ، وإن كان مغلوبا فإخراجه الصدقة لوجه الله تعالى أولى من إخراجه عن يده شيئا لا يحل له إخراجه .