باب أفضل الاستغفار

أي : هذا باب في بيان أفضل الاستغفار ، وسقط لفظ باب في رواية أبي ذر ، ووقع لابن بطال فضل الاستغفار ، وقال الكرماني : قوله : « أفضل الاستغفار » فإن قلت : معنى الأفضل الأكثر ثوابا عند الله ، فما وجهه هنا إذ الثواب للمستغفر لا له ؟ قلت : هو نحو مكة أفضل من المدينة ، أي : ثواب العابد فيها أفضل من ثواب العابد في المدينة ، فالمراد المستغفر بهذا النوع من الاستغفار أكثر ثوابا من المستغفر بغيره . .
وقوله تعالى : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ .

وقوله بالجر عطف على قوله : « أفضل الاستغفار » وفي بعض النسخ "واستغفروا" بالواو ، وكذا وقع في رواية أبي ذر ، والصواب ترك الواو ، فإن القرآن فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ وفي رواية أبي ذر أيضا هكذا اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا الآية ، وفي رواية غيره ساقها إلى قوله "أنهارا" ، كما في كتابنا هذا ، وأشار بالآيتين إلى إثبات مشروعية الحث على الاستغفار ، فلذلك ترجم بالأفضلية ، وأشار بالآية الثانية إلى أن بالاستغفار يحصل كل شيء ، ويؤيد هذا ما ذكره الثعلبي أن رجلا أتى الحسن البصري رضي الله تعالى عنه فشكا إليه الجدوبة ، فقال له الحسن : استغفر الله ، وأتاه آخر فشكا إليه الفقر ، فقال له : استغفر الله ، وأتاه آخر ، فقال : ادع الله لي أن يرزقني ابنا ، فقال : استغفر الله ، وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه ، فقال له : استغفر [22/278] الله ، فقيل له : أتاك رجال يشكون أبوابا ويسألون أنواعا ، فأمرتهم كلهم بالاستغفار ، فقال : ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيئا ، إنما اعتبرت فيه قول الله عز وجل حكاية عن نبيه نوح عليه السلام أنه قال لقومه اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ الآية ، والآية الثانية هكذا في رواية أبي ذر : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وساق غيره إلى قوله وَهُمْ يَعْلَمُونَ كما في كتابنا ، قوله يُرْسِلِ السَّمَاءَ أي : المطر ، قوله مِدْرَارًا حال من السماء ، قوله فَاحِشَةً أي : الزنا .
2 - حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا الحسين ، حدثنا عبد الله بن بريدة ، عن بشير بن كعب العدوي قال : حدثني شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : سيد الاستغفار أن تقول : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبي ، فاغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . قال : ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل ، وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة .

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : « سيد الاستغفار » لأن السيد في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج ويرجع إليه في الأمور ، ولما كان هذا الدعاء جامعا لمعاني التوبة كلها استعير له هذا الاسم ، ولا شك أن سيد القوم أفضلهم ، وهذا الدعاء أيضا سيد الأدعية ، وهو الاستغفار .
وأبو معمر ، بفتح الميمين عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد ، وعبد الوارث بن سعيد العنبري البصري ، والحسين هو ابن ذكوان المعلم ، وعبد الله بن بريدة ، بضم الباء الموحدة وفتح الراء ابن الحصيب الأسلمي ، وبشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ابن كعب العدوي ، وشداد بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال المهملة الأولى ابن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام بمهملتين الأنصاري ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر ، وشداد صحابي جليل نزل الشام وكنيته أبو يعلى ، واختلف في صحبة أبيه ، وليس لشداد في البخاري إلا هذا الحديث .
وأخرجه النسائي أيضا في الاستعاذة عن عمرو بن علي ، وفي اليوم والليلة عنه أيضا .
قوله : « سيد الاستغفار » قيل : ما الحكمة في كونه سيد الاستغفار وأجيب بأنه وأمثاله من التعبديات ، والله تعالى أعلم بذلك ، لكن لا شك أن فيه ذكر الله تعالى بأكمل الأوصاف وذكر نفسه بأنقص الحالات ، وهو أقصى غاية التضرع ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو ، قوله : « أن تقول » بصيغة المخاطب ، وقال بعضهم : أن يقول ، أي : العبد ، واعتمد لما قاله على ما رواه أحمد والنسائي أن سيد الاستغفار أن يقول العبد ، وذكر أيضا ما رواه الترمذي عن شداد : ألا أدلك على سيد الاستغفار . قلت : رواية أحمد لا تستلزم أن يقدر هنا ، أي : العبد على أن التقدير خلاف الأصل ، ورواية الترمذي تؤيد ما ذكرنا وتدفع ما قاله على ما لا يخفى .
قوله : « لا إله إلا أنت خلقتني » ويروى : لا إله إلا أنت أنت خلقتني ، قوله : « وأنا عبدك » قال الطيبي : يجوز أن تكون حالا مؤكدة ، ويجوز أن تكون مقررة ، أي : أنا عابد لك ، ويؤيده عطف قوله : « وأنا على عهدك » وسقطت الواو منه في رواية النسائي ، وقال الخطابي : يريد أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك وإصلاح الطاعة لك ، قوله : « ما استطعت » أي : قدر استطاعتي ، وشرط الاستطاعة في ذلك الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى ، وقال ابن بطال : قوله : « وأنا على عهدك ووعدك » يريد به العهد الذي أخذه الله على عباده ، حيث أخرجهم أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ، فأقروا له بالربوبية وأذعنوا له بالوحدانية ، وبالوعد ما قال على لسان نبيه أن من مات لا يشرك بالله شيئا وأدى ما افترض عليه أن يدخله الجنة ، وقيل : وأدى ما افترض عليه زيادة ليست بشرط في هذا المقام . قلت : إن لم تكن شرطا في هذا فهي شرط في غيره ، وقال الطيبي : يحتمل أن يراد بالعهد والوعد ما في الآية المذكورة ، قوله : « أبوء » من قولهم باء بحقه ، أي : أقر به ، وقال الخطابي : يريد به الاعتراف ، ويقال : قد باء فلان بذنبه إذا احتمله كرها لا يستطيع دفعه عن نفسه ، قوله : « لك » ليست في رواية النسائي ، وقال الطيبي : أعترف أولا بأنه أنعم عليه ولم يقيده [22/279] ليشمل جميع أنواع النعم مبالغة ، ثم اعترف بالتقصير وأنه لم يقم بأداء شكرها ، ثم بالغ فعده ذنبا مبالغة في التقصير وهضم النفس ، قوله : « من قالها موقنا » أي : مخلصا من قلبه مصدقا بثوابها ، قوله : « ومن قالها من النهار » وفي رواية النسائي : فمن قالها ، قوله : « فمن أهل الجنة » وفي رواية النسائي : دخل الجنة ، وفي رواية عثمان بن ربيعة : إلا وجبت له الجنة ، قيل : المؤمن وإن لم يقلها فهو من أهل الجنة ، وأجيب بأنه يدخلها ابتداء من غير دخول النار ؛ لأن الغالب أن الموقن بحقيقتها المؤمن بمضمونها لا يعصى الله تعالى أو لأن الله يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار .