[3/258] 30 - باب
الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس
فيه حديث عن عمر ، وابن عمر ، وأبي هريرة :
فحديث عمر ، قال فيه :
581 - حدثنا حفص بن عمر : ثنا هشام ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، قال : شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب .
حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن قتادة : سمعت أبا العالية ، عن ابن عباس ، قال : حدثني ناس بهذا .


إنما أعاده من طريق شعبة لتصريح قتادة فيه بالسماع من أبي العالية .
وقد قال شعبة : لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء : هذا الحديث ، وحديث ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ينبغي لأحد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى ) ، وحديث علي : ( القضاة ثلاثة ) .
ذكره أبو داود والترمذي في ( كتابيهما ) عن شعبة ، تعليقا .
وقد خرج في ( الصحيحين ) لقتادة عن أبي العالية ، حديث ابن عباس في ( دعاء الكرب ) ، وحديثه : في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء الأنبياءَ .
[3/259] وقد روي هذا الحديث من حديث الحسن ، عن أبي العالية ، وليس بمحفوظ: ذكره العقيلي
.
وقول ابن عباس : شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر ، معناه : أخبرني بذلك وحدثني به ، ولم يرد أنهم أخبروه به بلفظ الشهادة عنده .
وهذا ما استدل به من يسوي بين لفظ الإخبار والشهادة ، وقد نص عليه أحمد في الشهادة بالجنة للصحابة الذين روي أنهم في الجنة ؛ فإن من الناس من قال : يقال : إنهم في الجنة ، ولا نشهد ، فقال أحمد : إذا قال فقد شهد . وسوى بين القول والشهادة في ذلك .
وأما في أداء الشهادة عند الحاكم ، فاعتبر أكثر أصحابنا لفظ الشهادة ، وذكر القاضي أبو يعلى في موضع احتمالا آخر ، بأنه لا يشترط ذلك .
وكان ابن عباس يروي - أحيانا - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما شهده وسمعه منه ، ويقول : أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال ذلك في روايته لخطبة العيد ، وقد سبق حديثه بهذا في ( كتاب العلم ) في ( باب : عظة الإمام النساء وتعليمهن ) .
وقوله : ( نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس ) ، أول هذا الوقت المنهي عن الصلاة فيه إذا طلع الفجر ، وهو المراد بقوله في هذه الرواية : ( بعد الصبح ) ؛ فإن الصبح هو الفجر ، كما قال تعالى : وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ وقال : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
وفي رواية لمسلم في هذا الحديث : نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس .
وهذا قول جمهور العلماء : أن أول وقت النهي عن الصلاة إذا طلع الفجر .
[3/260] وروي معنى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة .
وقال النخعي : كانوا يكرهون ذلك .
وكرهه سعيد بن المسيب ، قال : هو خلاف السنة .
وعطاء والحسن - [قال] : وما سمعت فيه بشيء - والعلاء بن زياد وحميد بن عبد الرحمن .
وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه .
وذكر أبو نصر بن الصباغ من الشافعية : أنه ظاهر مذهب الشافعي .
وحكى الترمذي في ( جامعه ) أن أهل العلم أجمعوا عليه ، وكرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين ) .
وله طرق متعددة عن ابن عمر .
وخرج الطبراني والدارقطني والبزار نحوه من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
[3/261] وخرج الطبراني نحوه من حديث ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وله عنه طرق .
وروي عن ابن المسيب مرسلا ، وهو أصح .
ومراسيل ابن المسيب أصح المراسيل .
وفي ( صحيح مسلم ) ، عن حفصة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين .
وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب ، عن عمرو بن عبسة ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الساعات أفضل ؟ قال : ( جوف الليل الآخر ، ثم الصلاة مكتوبة مشهودة حتى يطلع الفجر ، فإذا طلع الفجر فلا صلاة ، إلا الركعتين حتى تصلي الفجر ) .
وخرجه ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن البيلماني ، عن عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه ، وقال فيه : ( فصل ما بدا لك حتى يطلع الصبح ، ثم انتهِ حتى تطلع الشمس ) .
وخرجه النسائي ، وعنده : ( حتى تصلي الصبح ) .
فقد تعارضت الروايتان في حديث عمرو بن عبسة .
ومما يدل على أن وقت النهي يدخل بطلوع الفجر : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن [3/262] بلالا يؤذن بليل حتى يرجع قائمكم ويوقظ نائمكم ) .
وقد خرجاه في ( الصحيحين ) من حديث ابن مسعود .
فإن معنى : ( يرجع قائمكم ) أن المصلي بالليل يمسك عن الصلاة ويكف عنها .
وقد رخص طائفة من العلماء في بعض الصلوات بعد طلوع الفجر ، قبل صلاة الفجر ، كالوتر وصلاة الليل .
روي عن عمر وعائشة في صلاة الليل .
وإلى ذلك ذهب مالك في الوتر وقضاء صلاة الليل .
وروي عن عطاء .
ونص أحمد عليه في الوتر ، وحكى ابن أبي موسى مذهب أحمد جواز قضاء صلاة الليل فيه بغير خلاف حكاه في المذهب ، وحكى الخلاف في بقية ذوات الأسباب ، كتحية المسجد وغيرها .
وقال آخرون : لا يدخل وقت النهي حتى يصلي الفجر .
ورويت الرخصة في الصلاة قبل صلاة الفجر عن الحسن وطاوس .
والمشهور عند عامة أصحاب الشافعي من مذهبه : الرخصة في ذلك ، حتى يصلي الفجر .
وحكي رواية عن أحمد .
وفي ( صحيح مسلم ) عن عمرو بن عبسة ، أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ، أخبرني عن الصلاة ؟ فقال : ( صل صلاة الصبح ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس ، حتى ترتفع ؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان [3/263] ، وحينئذ يسجد لها الكفار ) - وذكر الحديث .
وهذا إنما يدل بمفهومه ، وقد عارض مفهومه منطوق الروايات الأولى ، فيقدم المنطوق عليه .
وقوله : ( حتى تشرق الشمس ) هكذا الرواية : ( تشرق ) بضم التاء وكسر الراء ، من قولهم : أشرقت الشمس .
وزعم بعضهم : أن الصواب : ( تشرق ) بفتح التاء ، وضم الراء ، من قولهم : شرقت الشمس ، إذا طلعت .
قال : ومعنى أشرقت : أضاءت وصفت .
قال : والمناسب هنا ذكر طلوعها ، لا ذكر إضاءتها وصفائها .
وهذا ليس بشيء ، والصواب : ( تشرق ) ، والمعنى : حتى ترتفع الشمس ، كما بوب عليه البخاري .
والنهي يمتد إلى أن ترتفع وتضيء ويصفو لونها ، كما في حديث أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ) . وسيأتي إن شاء الله .
مع أن كلا الحديثين قد روي فيه : ( حتى تطلع الشمس ) ، وهو من رواية بعض رواته بالمعنى الذي فهمه منه . والله أعلم .