|
66 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، أخبرنا ابن شهاب ، عن عامر بن سعد ، أن أباه قال : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من شكوى أشفيت منه على الموت ، فقلت : يا رسول الله بلغ بي ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة ، أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : لا ، قلت : فبشطره ؟ قال : الثلث كثير ، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت ، حتى ما تجعل في في امرأتك ، قلت : يا رسول الله أخلف بعد أصحابي ؟ قال : إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت درجة ورفعة ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون ، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة قال سعد : رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن توفي بمكة .
قال بعضهم : هذا يتعلق بالركن الثاني من الترجمة وهو الوجع . قلت : الترجمة الدعاء برفع الوجع وليس في الحديث هذا ، والمطابقة ليست متعلقة بمجرد ذكر الوجع حتى يقول هذا القائل ما قاله ، ويمكن أن يؤخذ وجه المطابقة هنا من قوله : " اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ، فإن فيه إشارة لسعد بالعافية ليرجع إلى دار هجرته وهي المدينة . وذكر هذا الحديث في مواضع في الجنائز عن عبد الله بن يوسف ، وفي الوصايا عن أبي نعيم عن سفيان ، وفي المغازي عن أحمد بن يونس ، وفي الهجرة عن يحيى بن قزعة ، وفي الطب عن موسى بن إسماعيل ، وفي الفرائض عن أبي اليمان ، وهنا أخرجه أيضا عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد . قوله : " عادني " أي : زارني لأجل مرض حصل لي . قوله : " من شكوى " أي : من مرض وهو غير منصرف . قوله : " أشفيت منه " أي : أشرفت منه على الموت ودنوت منه ، ومراده به المبالغة في شدة مرضه ، ويروى أشفيت منها أي : من الشكوى وهو الظاهر ، ورواية منه باعتبار المرض . قوله : " إلا ابنة لي واحدة " واسمها عائشة . قوله : " ذو مال " أي : صاحب مال ، وكان حصل له من الفتوحات شيء كثير . قوله : " فبشطره " أي : نصفه ، وكثير بالثاء المثلثة . قوله : " أن تذر " بالذال المعجمة أي : أن تترك ، وقيل : لأن تذر . قوله : " عالة " هو جمع العائل وهو الفقير . قوله : " يتكففون الناس " أي : يمدون أكفهم إلى الناس بالسؤال . قوله : " في في امرأتك " أي : في فم امرأتك . قوله : " أخلف " يعني في مكة أبقى بعدهم . قوله : " لن تخلف " على صيغة المجهول ، قوله : " فتعمل " بالنصب عطف عليه . قوله : " ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام " فيه إشارة إلى طول عمره وهو من المعجزات ، فإنه عاش حتى فتح العراق وانتفع به أقوام وأراد بهم المسلمين ، وقوله : " ويضر بك " على صيغة المجهول آخرون ، أي : أقوام آخرون وأراد بهم المشركين ، وقيل : إن عبيد الله أمر عمر بن سعد ولده على الجيش الذين لقوا الحسين رضي الله تعالى عنه فقتلوه بأرض كربلاء وقصته مشهورة . قوله : " أمض " بفتح الهمزة يقال : أمضيت الأمر أي : أنفذته أي : تمم الهجرة لهم ولا تنقصها عليهم ، وقال الداودي : [23/9] لم يكن للمهاجرين الأولين أن يقيموا بمكة إلا ثلاثة أيام بعد الصدر ، فدعا لهم بالثبات على ذلك . قوله : " لكن البائس " بالباء الموحدة وهو من أصابه البؤس أي : الفقر وسوء الحال ، وقال الكرماني : البائس شديد الحاجة وهو منصوب بقوله : " لكن " إن كانت مشددة هو وخبره قوله : " سعد بن خولة " وإن كانت مخففة يكون البائس مبتدأ وخبره سعد بن خولة ، وهو من بني عامر بن لؤي من أنفسهم عند البعض ، وحليف لهم عند آخرين ، وكان من مهاجرة الحبشة الهجرة الثانية في قول الواقدي ، وإنما رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم لكونه مات بمكة وهي الأرض التي هاجر منها ، وفي ( التوضيح ) وإنما رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه قال : كل من هاجر من بلده يكون له ثواب الهجرة من الأرض التي هاجر منها إلى الأرض التي هاجر إليها إلى يوم القيامة ، فحرم ذلك لما مات بمكة ، وقيل : رجع إلى مكة بعد شهوده بدرا ، وقد أطال المقام بها بغير عذر ، ولو كان له عذر لم يأثم ، وكان موته في حجة الوداع ، وقد قال ابن مزين من المالكية : إنما رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أسلم وأقام بمكة ولم يهاجر وأنكروا ذلك عليه لأنه معدود من البدريين عند أهل الصحيح كما ذكره البخاري وغيره . وقوله : قال سعد أي : سعد بن أبي وقاص : رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد قول من زعم أن في الحديث إدارجا ، وأن قوله : " رثى له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من قول الزهري . فإن قلت : ورد في بعض طرقه وفيه قال الزهري إلى آخره . قلت : هذا يرجع إلى اختلاف الرواة عن الزهري ، هل وصل هذا القدر عن سعد أو قال من قبل نفسه ، والحكم للوصل لأنه مع راويه زيادة علم وهو حافظ . قوله : " رثى له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي : ترحم عليه ورق له من جهة وفاته بمكة وهو معنى . قوله : " من أن توفي بمكة ، أي : من أجل أنه مات بمكة التي هاجر منها ، وكان يتمنى أن يموت بغيرها فلم يعط متمناه .
|