بسم الله الرحمن الرحيم
- كتاب الرقاق


أي : هذا كتاب في بيان الرقاق وهو جمع رقيق من الرقة ، قال ابن سيده : الرقة الرحمة ورققت له أرق ، ورق وجهه استحى ، ويقال : الرقة ضد الغلظة ، يقال : رق يرق رقا فهو رقيق ورقاق ، وفي ( التوضيح ) كتاب الرقاق كذا في الأصول ، وقال صاحب ( التلويح ) : عبر جماعة من العلماء في كتبهم كتاب الرقائق ، وكذا في نسخة معتمدة من رواية النسفي عن البخاري وهو جمع رقيقة ، والمعنى واحد ، وفي بعض النسخ ما جاء في الرقاق ، وسميت أحاديث الباب بذلك لأن في كل منها ما يحدث في القلب رقة .
- باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة

أي : هذا باب في بيان ما جاء الخ كذا في رواية أبي ذر عن السرخسي ، وفي روايته عن المستملي والكشميهني سقط لفظ الصحة والفراغ ، وكذا في رواية النسفي ، وفي رواية كريمة عن الكشميهني ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة ، وفي ( شرح [23/31] ابن بطال ) باب لا عيش إلا عيش الآخرة كرواية أبي ذر عن المستملي ، وهذه الترجمة مذكورة في حديثين من أحاديث الباب على ما يجيء إن شاء الله تعالى .
1 - حدثنا المكي بن إبراهيم ، أخبرنا عبد الله بن سعيد هو ابن أبي هند ، عن أبيه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ .

مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة ، والمكي كذا في رواية الأكثرين بالألف واللام وهو اسم بلفظ النسبة وهو من مشايخ البخاري الكبار ، وقد روى أحمد هذا الحديث عنه بعينه ، وعبد الله بن سعيد من صغار التابعين لأنه لقي بعض صغار الصحابة وهو أبو أمامة بن سهل وهو يروي عن أبيه سعيد بن أبي هند الفزاري مولى سمرة بن جندب ، وأوضح هذا يحيى القطان في روايته حيث قال : عن عبد الله بن سعيد ، حدثني أبي ، أخرجه الإسماعيلي والضمير في قوله : " هو ابن أبي هند " يرجع إلى سعيد لا لعبد الله وهو من تفسير البخاري .
والحديث أخرجه الترمذي في الزهد عن صالح بن عبد الله وسويد بن نصر ، وأخرجه النسائي في الرقاق عن سويد بن نصر عن ابن المبارك ، وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن عباس بن عبد العظيم ، وقال الترمذي : ورواه غير واحد عن عبد الله بن سعيد ورفعوه ووقفه بعضهم .
قوله : " نعمتان " تثنية نعمة وهي الحالة الحسنة وبناء النعمة التي يكون عليها الإنسان كالجلسة ، وقال الإمام فخر الدين : النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير .
قوله : " مغبون " إما مشتق من الغبن بسكون الباء وهو النقص في البيع ، وإما من الغبن بفتح الباء وهو النقص في الرأي ، فكأنه قال : هذان الأمران إذا لم يستعملا فيما ينبغي فقد غبن صاحبهما فيهما أي : باعهما ببخس لا تحمد عاقبته أو ليس له في ذلك رأي البتة ، فإن الإنسان إذ لم يعمل الطاعة في زمن صحته ففي زمن المرض بالطريق الأولى ، وعلى ذلك حكم الفراغ أيضا فيبقى بلا عمل خاسرا مغبونا ، هذا وقد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا للعبادة لاشتغاله بأسباب المعاش ، وبالعكس فإذا اجتمعا في العبد وقصر في نيل الفضائل فذلك هو الغبن له كل الغبن ، وكيف لا والدنيا هي سوق الأرباح وتجارات الآخرة .
قوله : " كثير " مرفوع بالابتداء وخبره هو قوله : " مغبون " مقدما والجملة خبر قوله : " نعمتان " .
قوله : " الصحة " أي : إحدى النعمتين الصحة في الأبدان .
قوله : " والفراغ " أي : الأخرى منهما الفراغ ، وهو عدم ما يشغله من الأمور الدنيوية .