باب الاستثناء في الأيمان

أي هذا باب في بيان حكم الاستثناء في الأيمان ، وفي بعض النسخ : في اليمين ، والمراد بالاستثناء هنا لفظ " إن شاء الله " ، وليس المراد به الاستثناء الاصطلاحي نحو : والله لأفعلن كذا إن شاء الله تعالى ، أو قال : والله لأفعلن كذا إن شاء الله .
وفيه اختلاف للعلماء ، فقال إبراهيم والحسن والثوري وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والليث وجمهور العلماء : شرطه أن يتصل بالحلف ، وقال مالك : إذا سكت أو قطع كلامه فلا استثناء ، وقال الشافعي : يشترط وصل الاستثناء بالكلام الأول ، ووصله أن يكون نسقا ، فإن كان بينهما سكوت انقطع إلا إذا كان لتذكر أو تنفس أو عي أو انقطاع صوت .
وقال الحسن البصري وطاوس : للحالف الاستثناء مالم يقم من مجلسه .
وقال قتادة : أو يتكلم ، وقال أحمد : له الاستثناء ما دام في ذلك الأمر ، وبه قال إسحق إلا أن يكون سكوت ثم عود إلى ذلك الأمر .
وقال عطاء : إن له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة ، وقال سعيد بن جبير : له ذلك إلى بعد أربعة أشهر ، وقال مجاهد : له ذلك بعد سنتين ، وقال ابن عباس : يصح ذلك ولو بعد حين .
فقيل : أراد به سنة ، وقيل : أبدا . حكاه ابن القصار ، واختلفوا أيضا في الاستثناء في الطلاق والعتق فقال ابن أبي ليلى والأوزاعي والليث ومالك : لا يجوز الاستثناء في الطلاق ، وروي مثله عن ابن عباس وابن المسيب والشعبي وعطاء والحسن ومكحول وقتادة والزهري .
وقال طاوس والنخعي والحسن وعطاء في رواية ، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وإسحاق : يجوز الاستثناء .
11 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا حماد ، عن غيلان بن جرير ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبي موسى الأشعري قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين أستحمله ، فقال : والله لا أحملكم ، ما عندي ما أحملكم .
ثم لبثنا ما شاء الله ، فأتي بإبل فأمر لنا بثلاثة ذود ، فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض : لا يبارك الله لنا ، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله فحلف أن لا يحملنا فحملنا ، فقال أبو موسى : فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له ، فقال : ما أنا حملتكم بل الله حملكم ، إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير وكفرت .


مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " إني والله إن شاء الله " ، قيل : إن قوله : " إن شاء الله " لم يقع في أكثر الطرق لحديث أبي موسى ، وليس كذلك بل هو ثابت في الأصول ، وأراد البخاري بإيراده بيان صفة الاستثناء بالمشيئة ، وعن أبي موسى المديني : إنما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك للتبرك لا للاستثناء وهو خلاف الظاهر .
وحماد في السند هو ابن زيد لأن قتيبة لم يدرك حماد بن سلمة ، وغيلان بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ابن جرير بفتح الجيم ، وأبو بردة بضم الباء الموحدة وسكون الراء اسمه عامر ، وقيل : الحارث يروي عن أبيه أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري .
والحديث مضى في النذر عن أبي النعمان محمد بن الفضل ، ومضى الكلام فيه .
قوله : " أستحمله " أي أطلب منه ما يحملنا وأثقالنا ، قوله : " فأتي بإبل " كذا في رواية [23/224] الأكثرين ، ووقع في رواية الأصليي وأبي ذر عن السرخسي والمستملي بشائل بالشين المعجمة والهمزة بعد الألف أي قطيع من الإبل .
وقال الخطابي : جاء بلفظ الواحد والمراد به الجمع كالسامر ، يقال : ناقة شائل إذا قل لبنها ، وقال الكرماني : وفي بعض الروايات شوائل ، وقال ابن بطال في رواية أبي ذر : بشائل مكان قوله : " بإبل " ، وأظنه بشوائل إن صحت الرواية ، وبخط الدمياطي : الشائل بلا هاء الناقة التي تشول بذنبها للقاح ولا لبن لها أصلا ، والجمع شول مثل راكع وركع ، والشائلة بالتاء هي التي جف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية .
قوله : " بثلاثة ذود " ، وفي رواية أبي ذر : بثلاث ذود وهو الصواب لأن الذود مؤنث ، والذود بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وبالدال المهملة من الثلاث إلى العشرة .
وقيل : إلى السبع ، وقيل : من الاثنين إلى التسع من النوق ولا واحد له من لفظه ، والكثير أذواد ، والأكثر على أنه خاص بالإناث ، وقد يطلق على الذكور ، فإن قلت : مضى في المغازي بلفظ خمس ذود ، قلت : الجمع بينهما بأنه يحمل على أنه أمر لهم أولا بثلاثة ثم زادهم اثنين .
قوله : " فحملنا " بفتح الميم واللام ، قوله : " إني والله إن شاء الله " هذا موضع الاستثناء فيه ، قوله : " إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير وكفرت " كذا وقع لفظ " كفرت " مكررا في رواية السرخسي ، وبقية الكلام مضت في النذر .
12 - حدثنا أبو النعمان ، حدثنا حماد ، وقال : إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير أو أتيت الذي هو خير وكفرت .

أبو النعمان هو محمد بن الفضل ، وحماد هو ابن زيد ، وأراد بذكر طريق أبي النعمان هذا بيان التخيير بين تقديم الكفارة على الحنث وتأخيرها عنه ، وفيه الخلاف وقد ذكرناه .
وقال الكرماني : أو هو شك من الراوي .
قلت : كذا أخرجه أبو داود عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد بالترديد أيضا .