قال :
636 - حدثنا آدم : حدثنا ابن أبي ذئب : حدثنا الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، وعليكم السكينة والوقار ، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) .


كان الزهري يروي هذا الحديث ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ويرويه - أيضا - عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة .
وقد رواه جماعة من أصحابه عنه ، عن سعيد وحده . ورواه آخرون منهم ، عنه ، عن أبي سلمة وحده . وجمع بعضهم بينهما ، منهم : عبيد الله بن عمر .
وروي - أيضا - كذلك ، عن ابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ويونس بن يزيد .
قال الدارقطني : هو محفوظ ، كان الزهري ربما أفرده عن أحدهما ، وربما جمعه .
قلت : وقد خرجه البخاري في ( كتاب الجمعة ) من ( صحيحه ) هذا ، عن [3/566] آدم ، عن ابن أبي ذئب بالجمع بينهما ، ومن طريق شعيب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة وحده .
وخرجه مسلم من رواية إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عنهما .
وخرجه أبو داود من طريق يونس كذلك .
وكلام الترمذي في ( جامعه ) يدل على أن الصحيح رواية من رواه عن الزهري عن سعيد وحده .
والصحيح : أنه صحيح عن الزهري ، عنهما ، وتصرف الشيخين في ( صحيحيهما ) يشهد لذلك .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، ولا تسعوا ) أمر بالمشي ونهي عن الإسراع إلى الصلاة لمن سمع الإقامة ، وليس سماع الإقامة شرطا للنهي ، وإنما خرج مخرج الغالب ؛ لأن الغالب أن الاستعجال إنما يقع عند سماع الإقامة خوف فوت إدراك التكبيرة أو الركعة ، فهو كقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ والرهن جائز في السفر وغيره .
وكذلك قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا وقد ذكرنا أن التيمم يجوز عند عدم الماء في السفر والحضر .
وكذلك قوله تعالى : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ويجوز أن يدعوا إخوانا وموالي [3/567] وإن علم آباؤهم ؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لزيد : ( أنت أخونا ومولانا ) مع علمه بأبيه .
وقد سبق حديث أبي قتادة ( إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة ) ، من غير اشتراط سماع الإقامة .
وقد أجمع العلماء على استحباب المشي بالسكينة إلى الصلاة ، وترك الإسراع والهرولة في المشي ، ولما في ذلك من كثرة الخطى إلى المساجد . وسيأتي أحاديث فضل المشي فيما بعد - إن شاء الله تعالى .
وهذا ما لم يخش فوات التكبيرة الأولى والركعة ، فإن خشي فواتها ، ورجا بالإسراع إدراكها ، فاختلفوا : هل يسرع حينئذ ، أم لا ؟ وفيه قولان .
أحدهما : أنه يسعى لإدراكهما .
وروي عن ابن مسعود ، أنه سعى لإدراك التكبيرة .
ونحوه عن ابن عمر ، والأسود ، وعبد الرحمن بن يزيد ، وسعيد بن جبير .
وعن أبي مجلز : الإسراع إذا خاف من فوت الركعة .
وقال إسحاق : لا بأس بالإسراع لإدراك التكبيرة .
ورخص فيه مالك .
وقال أحمد - في رواية مهنا - : ولا بأس – إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى - أن يسرع شيئا ، ما لم يكن عجلة تقبح ؛ جاء عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يعجلون شيئا إذا تخوفوا فوت التكبيرة الأولى ، وطمعوا في إدراكها .
وبوب النسائي في ( سننه ) على ( الإسراع إلى الصلاة من غير سعي ) ، [3/568] وخرج فيه حديث أبي رافع ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل ، يتحدث عندهم حتى ينحدر للمغرب . قال أبو رافع : فبينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يسرع إلى المغرب مررنا بالبقيع - وذكر الحديث .
وهذا إنما يدل على إسراع الإمام إذا خاف الإبطاء على الجماعة ، وقد قرب الوقت .
والقول الثاني : أنه لا يسرع بكل حال .
وروي عن أبي ذر ، وزيد بن ثابت ، وأنس بن مالك ، وأبي هريرة ، وعطاء ، وحكاه ابن عبد البر عن جمهور العلماء ، وهو قول الثوري .
ونقله ابن منصور وغيره عن أحمد ، وقال : العمل على حديث أبي هريرة .
وحديث أبي هريرة : دليل ظاهر على أنه لا يسرع لخوف فوت التكبيرة الأولى ، ولا الركعة ؛ فإنه قال : ( فإذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، ولا تسرعوا ) ، فدل على أنه ينهى عن الإسراع مع خوف فوات التكبيرة أو الركعة .
وفي ( مسند الإمام أحمد ) من حديث أبي بكرة ، أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم راكع ، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - صوت نعلي أبي بكرة وهو يحفز ، يريد أن يدرك الركعة ، فلما انصرف قال : ( من الساعي ؟ ) قال أبو بكرة : أنا ، قال : ( زادك الله حرصا ، ولا تعد ) .
وفي إسناده من يجهل حاله
.
وخرجه البخاري في ( كتاب القراءة خلف الإمام ) بإسناد آخر فيه ضعف - أيضا - عن أبي بكرة - بمعناه ، وفي حديثه : قال : إن أبا بكرة قال : يا رسول الله ، خشيت أن تفوتني ركعة معك ، فأسرعت المشي ، فقال له : ( زادك الله حرصا ، [3/569] ولا تعد ، صل ما أدركت ، واقض ما سبقت ) .
ولو سمع الإقامة وهو مشتغل ببعض أسباب الصلاة كالوضوء والغسل أو غيرهما ، فقال عطاء : لا يعجل عن ذلك - يعني : أنه يتمه من غير استعجال .
وسيأتي حديث : ( لا تعجل عن عشائك ) في موضعه من الكتاب - إن شاء الله تعالى .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( عليكم السكينة والوقار ) ، هو بالرفع على أن الجملة مبتدأ وخبر ، ويروى بالنصب على الإغراء - : ذكره أبو موسى المديني .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) ، هذه الرواية المشهورة عن الزهري ، التي رواها عنه عامة أصحابه الحفاظ .
ورواه ابن عيينة ، عن الزهري ، وقال في روايته : ( وما فاتكم فاقضوا ) .
خرج حديثه الإمام أحمد والنسائي .
وذكر أبو داود أن ابن عيينة تفرد بهذه اللفظة - يعني : عن الزهري .
وذكر البيهقي بإسناده ، عن مسلم ، أنه قال : أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة .
قلت : قد توبع عليها
.
وخرجه الإمام أحمد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، وقال في حديثه : ( فاقضوا ) . قال معمر : ولم يذكر سجودا .
[3/570] وكذا رواها بحر السقاء ، عن الزهري ، وقال في حديثه ( وليقض ما سبقه ) وبحر ، فيه ضعف .
ورواها - أيضا - بنحو رواية بحر : سليمان بن كثير ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة .
خرجه البخاري في ( كتاب القراء خلف الإمام ) .
ورويت لفظة ( القضاء ) من غير رواية الزهري :
وروى شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ائتوا [الصلاة] وعليكم السكينة ، فصلوا ما أدركتم ، واقضوا ما سبقكم ) .
خرجه أبو داود .
وخرجه الإمام أحمد من رواية عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه .
ورويت عن أبي هريرة من وجوه أخر :
فخرج مسلم طريق ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا ثوب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم ، ولكن ليمش ؛ وعليه بالسكينة والوقار ، صل ما أدركت ، واقض ما سبقك ) .
قال أبو داود : وكذا قال أبو رافع ، عن أبي هريرة .
[3/571] وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث حميد ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا جاء أحدكم فليمش نحوا مما كان يمشي ، فليصل ما أدركه ، وليقض ما سبقه ) .
وخرج البزار من حديث سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها ، إلا أنه يقضي ما فاته ) .
وهذا حديث آخر غير الذي قبله .
وبالجملة ، فرواية من روى ( فأتموا ) أكثر .
وقد استدل الإمام أحمد برواية من روى ( فاقضوا ) ، ورجحها .
قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد - أرأيت قول من قال : يجعل من أدرك مع الإمام أول صلاته ، ومن قال : يجعله آخر صلاته ، أي شيء الفرق بينهما ؟ قال : من أجل القراءة فيما يقضي . قلت له : فحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : على أي القولين يدل عندك ؟ قال : على أنه يقضي ما فاته ؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( صلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم ) .
وقال في رواية ابنه صالح : يروى عن أنس وأبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( صل ما أدركت واقض ما سبقك ) . قال : ويروي غيره على أنه قال : يقرأ فيما أدرك . وقال غيره : يقرأ فيما يقضي . قال ابن مسعود : ما أدركت من الصلاة فهو آخر صلاتك . انتهى .
وروى عبد الرزاق في ( كتابه ) ، عن معمر ، عن قتادة ، أن عليا قال : [3/572] ما أدركت من الإمام فهو أول صلاتك ، واقض فيما سبقك به من القراءة . وأن ابن مسعود قال : اقرأ فيما فاتك .
وعن مالك ، عن نافع ، أن ابن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام التي يعلن فيها بالقراءة ، فإذا سلم الإمام قام عبد الله فقرأ لنفسه .
وروى الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد : حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، أن ابن عمر كان إذا سبق بالأوليين قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب وسورة .
قلت : أما القراءة فيما يقضي فمتفق عليها ؛ لأن حكم متابعة الإمام قد انقطعت عنه بسلام إمامه قبل فراغ صلاته ، فهو فيما بقي من الصلاة منفرد ، يقرأ كما يقرأ المنفرد بصلاته ، لا يقول أحد من العلماء : إنه لا يقرأ فيها لاستمرار حكم ائتمامه بالإمام .
ولكن من يقول من السلف : إن المصلي يقرأ في ركعتين ويسبح في ركعتين ، كما يقوله الكوفيون وغيرهم ، يقول : إذا أدرك الإمام في ركعتين من الرباعية أنه لا يقرأ معهم ؛ لأنهم لا يرون قراءة المأموم وراء إمامه بحال ، ويقولون : إذا قام يقضي ما فاته من الركعتين ، فإنه يقرأ ، ولا يجزئه أن يسبح ، فإنه قد صار منفردا في بقية صلاته ، فلا بد [له] من القراءة ، سواء فاته ركعة أو ركعتان ، فإن فاته ثلاث ركعات قرأ في ركعتين ، وله أن يسبح في الثالثة .
وهذا كله قول سفيان الثوري .
وحكى سفيان وأصحابه وابن عمر ، أنه إذا أدرك ركعتين مع الإمام لم يقرأ فيما أدركه معه ، وقرأ في الركعتين إذا قضاهما .
وعن علي : أن ما أدركه فهو أول صلاته ، فيقرأ فيه ما سبقه به الإمام من القراءة .
[3/573] ظاهر هذا : أن عليا لم ير القراءة فيما يقضيه ، وأنهم أرادوا أنه لا يقرأ فيه ما زاد على الفاتحة .
وممن قال : يقرأ فيما يقضي : عبيدة السلماني ، وابن سيرين ، وأبو قلابة ، والنخعي .
وروى عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن جابر ، عن الشعبي : أن جندبا ومسروقا أدركا ركعة من المغرب ، فقرأ جندب ولم يقرأ مسروق خلف الإمام ، فلما سلم الإمام قاما يقضيان ، فجلس مسروق في الثانية والثالثة ، وقام جندب إلى الثالثة ولم يجلس ، فلما انصرفا أتيا ابن مسعود ، فقال : كل قد أصاب ، ونفعل كما فعل مسروق .
وعن معمر ، عن جعفر الجزري ، عن الحكم : أن جندبا ومسروقا أدركا ركعة من المغرب ، فقرأ أحدهما في الركعتين الأخريين ما فاته من القراءة ، ولم يقرأ الآخر في ركعة ، فسئل ابن مسعود ، فقال : كلاهما محسن ، وأنا أصنع كما صنع هذا الذي قرأ في الركعتين .
وأكثر العلماء على أنه يقرأ في ركعات الصلاة كلها ، يقرأ في الركعتين الأوليين بالحمد وسورة وفي الأخريين بالحمد وحدها .
وعلى هذا ؛ إذا أدرك المسبوق من الرباعية أو المغرب ركعتين ، يقرأ فيما يقضي من الركعتين بالحمد وحدها ، أو بالحمد وسورة ؟ على قولين ، أشهرهما أنه يقضي بالحمد وسورة .
وهذا هو المنصوص عن مالك ، والشافعي ، وأحمد .
[3/574] ونص الشافعي على أن ما أدركه مع الإمام فهو أول صلاته .
وعن مالك في ذلك روايتان منصوصتان : أحدهما : هو أول صلاته . والثانية : هو آخرها .
وكذلك عن أحمد ، ولكن أكثر الروايات عنه ، أنه آخر صلاته .
وأما مذهب أبي حنيفة وأصحابه ، فهو أن ما أدركه مع الإمام آخر صلاته ، وما يقضيه أولها .
وهو قول الحسن بن حي وسفيان الثوري .
وعلى قول هؤلاء لا إشكال في أنه يقرأ فيما يقضي [بالحمد] وسورة .
قال ابن المنذر : واختلفوا في الذي يدركه المأموم من صلاة الإمام .
فقالت طائفة : يجعله أول صلاته ، روي هذا القول عن عمر وعلي وأبي الدرداء ، ولا يثبت ذلك عنهم ، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق والمزني .
وقالت طائفة : يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته ، كذلك قال ابن عمر . وبه قال مجاهد وابن سيرين ومالك والثوري والشافعي وأحمد .
قال ابن المنذر : وبالأول نقول . انتهى .
وأنكر ابن عبد البر نقل ابن المنذر ذلك عن مالك والشافعي والثوري [3/575] وأحمد ، وقال : إنما أخذه من قولهم في القراءة [في القضاء] .
قال : وثبت عن ابن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز : ما أدركت فاجعله أول صلاتك .
قال : والذي يجيء على أصولهم - إن لم يثبت عنهم نص في ذلك - ما قاله المزني وإسحاق وداود وعبد العزيز بن الماجشون .
يعني : أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وحدها ؛ لأنه آخر صلاته .
قال : وهذا أطرد في القياس .
قال : فأما من يقول : ما أدركه فهو أول صلاته ، وما يقضيه آخرها ، ثم يقول : يقرأ فيه بالحمد وسورة ، فكيف يصح هذا على قوله ؟
وروى حرب الكرماني بإسناده عن مكحول ، قال : ما أدركت فاجعله أول صلاتك ، تقرأ في أولها بأم القرآن وسورة بينك وبين نفسك .
قلت : وهذا ظاهر في أنه لا يقرأ فيما يقضي بسورة مع الحمد .
وروى بإسناده - أيضا - عن بقية ، عن الزبيدي ، قال : يقرأ فيما يقضي بأم القرآن وسورة بقدر الذي فاته مع الإمام . قال : وأما الأوزاعي فكان يقول : يقرأ بأم القرآن . قال بقية : وبه نأخذ .
وروى - أيضا - بإسناده عن ثابت بن عجلان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك ، واقرأ فيه بفاتحة الكتاب وسورة .
وهذا يدل - أيضا - على أنه لا يقرأ فيما يقضي زيادة على الحمد .
[3/576] وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة - مثل قول ابن عباس .
وقد اتفقت النصوص عن أحمد على أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة .
واختلف قوله في مأخذ ذلك :
فنقل عنه هارون الحمال ، أن مأخذ ذلك أن ما أدركه آخر صلاته وما يقضيه أولها . قال : فقيل له : قد حكي عنك أنك قلت : يقرأ بفاتحة الكتاب ويجعل ما أدرك أول صلاته . فأنكر ذلك .
وهذا يحتمل أن يكون إنكاره للقول بأنه يقتصر على الحمد فيما يقضي تفريعا على ذلك ؛ فإن القول بأن ما أدركه أول صلاته مشهور عنه ، قد نقله عنه غير واحد ، فإن كان مراده الأول كان قوله بأن القراءة فيما يقضي بالحمد وسورة لا يختلف قوله فيه مع قوله : إن ما يقضيه أول صلاته أو آخرها ، وهذا هو المذهب عند أبي موسى وغيره من متقدمي الأصحاب .
وقد نقل عبد الله والأثرم وغيرهما أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة ، مع قوله : آخر صلاته .
وإن كان مراده الثاني كان القول : يقرأ الحمد وسورة فيما يقضيه ، مبنيا على الاختلاف فيما يقضيه : هل هو أول صلاته ، أو آخرها .
وهذا هو قول القاضي أبي يعلى ومن بعده من أصحابنا .
[3/577] وأنكر بعض المتأخرين منهم أن يصح القول بقراءة الحمد وسورة فيما يقضيه على كلا القولين ، إلا على قول من يرى استحباب القراءة بالحمد وسورة في كل ركعة من الصلاة كلها ، أو على أن من نسي قراءة السورة في الأوليين قرأها في الأخريين .
وهذا المأخذ الثاني لا يصح ؛ فإنه لا نسيان هاهنا .
وللمسألة مأخذان لم يذكرهما هذا القائل :
أحدهما : الاحتياط ، ونص عليه أحمد في رواية صالح وعبد الله وغيرهما ، قال : يكون جلوسه على أول صلاته وفي القراءة يحتاط فيقرأ فيما يقضي .
يعني : أنه إن أدرك ركعة من الرباعية تشهد عقيب قضاء ركعة ، فيجعل ما أدرك أول صلاته في الجلوس للتشهد ؛ ويقرأ في ركعتين فيما يقضي بالحمد وسورة احتياطا لقراءة السورة ؛ فإنها سنة مؤكدة ، فيحتاط لها ، ويأتي بها في الركعات كلها ؛ للاختلاف في أول صلاته وآخرها .
والمأخذ الثاني : أنه إذا أدرك مع الإمام ركعتين من الرباعية ، فإنه لا يتمكن من قراءة السورة مع الحمد معه غالبا ، فإذا صلى معه ركعتين قرأ فيهما بالحمد وحدها ، ثم قضى ركعتين ؛ فإنه ينبغي أن يقرأ فيهما سورة مع الفاتحة ؛ لئلا تخلو هذه الصلاة من قراءة سورة مع الفاتحة ، مع حصول الاختلاف في استحباب قراءة السورة فيما يقضيه ، فالاحتياط أن يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة .
أما لو كان قد قرأ فيما أدرك مع الإمام سورة مع الفاتحة ؛ فإنه لا يعيد السورة فيما يقضيه ، لا سيما عند من يقول : إن ما أدركه هو أول صلاته .
ولهذا قال قتادة : إذا أمكنك الإمام فاقرأ في الركعتين اللتين بقيتا سورة ، [3/578] سورة ، تجعلهما أول صلاتك .
ذكره عبد الرزاق ، عن معمر ، عنه .
ولم أجد لأحمد ولا لغيره من الأئمة نصا صريحا أنه يقرأ بالحمد وسورة فيما أدركه خلف الإمام ، ثم يعيد ذلك فيما يقضيه ، بل نص على أن من أدرك ركعة من الوتر وقضى ما فاته أنه لا يعيد القنوت .
وعلله أبو حفص البرمكي بأنه قد قنت مع الإمام فلا يعيد كما لو سجد معه للسهو . قال : ويحتمل أنه لم يعده لأنه أدرك آخر الصلاة .
ونص الشافعي على أن المسبوق بركعتين من الرباعية يقرأ فيما يقضي بالفاتحة وسورتين .
فاختلف أصحابه على طريقين :
أحدهما : أن في استحباب السورة له القولان في استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخريين ، وأن الشافعي إنما فرع نصه هذا على قوله باستحباب قراءة السورة في كل الركعات ، وهذا قاله أبو علي الطبري .
والطريق الثاني : قاله أبو إسحاق ، أنه يستحب للمسبوق قراءة السورة قولا واحدا ، وإن قيل : لا يستحب لغيره قراءة في الأخريين ؛ لأن المسبوق لم يقرأ السورة في الأوليين ، ولا أدرك قراءة الإمام السورة ، فاستحب له ؛ لئلا تخلو صلاته من سورتين .
وهذا الطريق هو الصحيح عندهم ، وعليه أكثر أصحابهم .
وأما الجهر بالقراءة في العشاء وثالثة المغرب ، فأكثرهم على أنه لا يجهر .
[3/579] وحكوا في جهره قولين للشافعي .
ومنهم من قال : نص في ( الإملاء ) على أنه يجهر ؛ لأن الجهر فاته فيتدارك ، ونص في غيره على أنه لا يجهر ؛ لأن سنة آخر الصلاة الإسرار بالقراءة ، فلا تفوته . وبهذا يفرق بينه وبين السورة .
وصرح بعضهم بأنه لو كان الإمام بطيء القراءة فأمكن المسبوق أن يقرأ معه السورة فيما أدرك فقرأها ، لم يعدها في الأخريين ، إلا على قولهم : يقرأ بالسورة في الركعات كلها ، وهو حسن موافق لما ذكره .
وهاهنا مأخذ ثالث ؛ وقد صرح به غير واحد من السلف ، وقد روي عن علي ما يدل عليه ، وصرح به الترمذي وغيره ، وهو : أن من أدرك مع الإمام ركعتين فقد فاته معه ركعتان بسورتيهما ، فيشرع له قضاء ما فاته على وجهه .
لكن ؛ هل يقضيه فيما أدرك مع الإمام ، أو فيما يقضيه بعد قراءته .
فالمروي عن علي أنه يقضيه فيما أدركه مع الإمام ، وقال : هو أول صلاته .
وقال ابن مسعود وغيره : فيما يقضي لنفسه وحده منفردا .
فإما أن يكون مأخذهم أنه أول صلاته ، وإما أن يكون مأخذهم أن القضاء إنما يكون بعد مفارقة الإمام ما أدرك ، ويقضي ما سبق ، ولا يكون في حال متابعته ، وإن كان آخر صلاته .
وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين وأبي قلابة ، قالا : يصلي مع الإمام ما أدرك ، ويقضي ما سبق به مع الإمام من القراءة . مثل قول ابن مسعود .
وقال عمرو بن دينار : ما فاتك فاقضه كما فاتك .
[3/580] وروى ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن المغيرة ، عن جهم بن الأسود ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : اقرأ فيما تقضي بما قرأ به الإمام .
خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد .
وروى الأعمش ، عن إبراهيم ، قال : إنما القراءة في القضاء . قال : وقال لي سعيد بن جبير : تقرأ فيما تدرك .
والمروي عن أبي سعيد يدل على أنه يستحب أن يقرأ فيما يقضيه بالسورتين اللتين قرأ بهما الإمام ؛ لتكون قراءته لهما قضاء بما فاته مع الإمام حقيقة .
وأيضا ؛ فإن [عامة] الكوفيين لا يرون القراءة خلف الإمام ، وقد اختلفوا في القراءة هاهنا خلفه فيما أدركه ؛ لأنه قضاء للقراءة الثانية ، فرأى القراءة علي وسعيد بن جبير ، ولم يره ابن مسعود وعلقمة والنخعي والأكثرون منهم .
وأما إذا أدرك ركعة من الرباعية أو المغرب ، فإنه يجلس للتشهد عقب قضاء ركعة ، كما قاله ابن مسعود وعلقمة ، وقاله سعيد بن المسيب . وهو المشهور عن أحمد .
وأخذ أحمد في هذه المسألة بما روي عن ابن مسعود ، وفي الأولى بما روي عن ابن عمر ، وقاله ابن مسعود - أيضا .
ومن أصحابنا من بنى هذا على قول أحمد : إن ما يقضيه آخر صلاته . قال : فإن قلنا : هو أول صلاته ، تشهد عقب قضاء ركعتين .
وقال الأكثرون : بل في المسألة روايتان غير مبنيتين على هذا الأصل .
وهذا هو الذي يدل عليه كلام الإمام أحمد صريحا ؛ فإنه أخذ في القراءة [3/581] بقول ابن عمر ، وفي الجلوس بقول ابن مسعود ، وجمع بينهما . وابن مسعود مع قوله بهذا ، فإنه قد قال : ما أدركه فهو آخر صلاته ، كما سبق عنه .
وزعم صاحب ( المغني ) من أصحابنا أن ذلك كله جائز .
ويشكل عليه : أن أحمد نص في رواية مهنا على أنه إذا تشهد عقب ركعتين سجد للسهو .
وكلام ابن مسعود يدل على جواز الأمرين كما سبق عنه .
وقد تبين بهذا : أن أكثر العلماء ليس لهم في هذه المسألة قول مطرد .
ولا خلاف أن التشهد الأخر في حق المسبوق هو الذي في آخر صلاته ، الذي يسلم عقيبه ، فأما التشهد الأول ، فإن وقع عقيب ركعتين من صلاة المسبوق ، فإنه يتشهد فيه معه .
واختلفوا : هل يتم التشهد مع الإمام بالدعاء أم ينتهي إلى قوله : ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) ، ثم يردده ؟ على قولين .
والثاني : قول الحسن وأحمد ، والأول : ظاهر كلام عطاء .
فإن كان تشهد الإمام في موضع وتر من صلاة المأموم ، فإنه يتابعه في جلوسه بغير خلاف .
وهل يتشهد معه فيه ، أم لا ؟ على قولين :
أحدهما : يتشهد معه ، وهو قول الحسن وابن المسيب وعطاء ونافع والزهري والثوري .
وأحمد ، قال : أحب إلي أن يتشهد .
والثاني : لا يتشهد ، وهو قول النخعي ومكحول وعمرو بن دينار ، وحكاه [3/582] ابن المنذر عن الحسن - أيضا .
وقال النخعي : يسبح - يعني : بدل التشهد .
وقال الأوزاعي : يكتفي بالتسبيح .
وأكثر العلماء على أنه لا سجود عليه للسهو لزيادة هذا الجلوس متابعة للإمام ، وحكي عن ابن عمر أنه كان يسجد كذلك للسهو . وعن أبي سعيد الخدري وعن عطاء وطاوس ومجاهد ، وهو قول الحسن .
وروي عن عطاء ، عن أبي سعيد وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وابن الزبير ، أنهم كانوا يسجدون سجدتي السهو إذا أدرك الإمام في وتر .
قال الإمام أحمد : لم يسمعه عطاء منهم ، بينه وبينهم رجل .
يعني : أن في الإسناد مجهول
.
والصحيح : قول الجمهور .
وفي ( صحيح مسلم ) عن المغيرة ، أنه غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تبوكا ، فتبرز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتوضأ ، وصب عليه المغيرة ، ثم أقبل . قال المغيرة : وأقبلت حتى نجد الناس قدموا عبد الرحمن بن عوف ، فصلى بهم ، فأدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الآخرة ، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتم صلاته ، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته أقبل عليهم ، ثم قال : ( أحسنتم ) - أو ( أصبتم ) - يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها .
ولم يذكر المغيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد للسهو .
وخرجه أبو داود من وجه آخر عن المغيرة ، وفيه : فلما سلم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى الركعة التي سبق بها ، ولم يزد عليها شيئا .
[3/583] وخرجه البخاري في ( القراءة خلف الإمام ) والطبراني والبيهقي من وجه آخر عن المغيرة ، وفيه : فصلينا ما أدركنا ، وقضينا ما سبقنا .
وقد روى معمر : ليصل ما أدرك ، وليقض ما سبق . قال معمر : ولم يذكر سجودا .
يعني : أنه لو كان عليه سجود في بعض الأحوال لما أخر بيانه ؛ لأنه وقت حاجة . وكذلك استدل به كثير من الأئمة بعده ، منهم الإمام أحمد والشافعي .
وفي حديث المغيرة : أن المسبوق إنما يقوم إذا سلم الإمام ، ولا يقوم حتى يسلم إمامه التسليمتين معا ، نص عليه سفيان والشافعي وأحمد ؛ لأن التسليمة الثانية مختلف في وجوبها ، [فإذا] لم يأت بها الإمام لم يخرج من صلاته بيقين .
قالت طائفة : ويستحب أن لا يقوم حتى ينحرف الإمام ، لعله أن يذكر سجود سهو ، إلا أن يطول ذلك فيقوم ويدعه ، وهذا قول عطاء والشعبي وأحمد .
وكان ابن عمر إذا سلم الإمام يقضي ما سبق به ، وإن لم يقم الإمام .
وقال أصحاب الشافعي : إن مكث المسبوق بعد سلام إمامه جالسا ، وطال جلوسه ، فإن كان موضع تشهده الأول جاز ، ولم تبطل صلاته ؛ لأنه محسوب من صلاته ، لكنه يكره له تطويله ، وإن لم يكن في موضع تشهده لم يجز أن يجلس بعد تسليم إمامه ؛ لأن جلوسه كان للمتابعة وقد زالت ، فإن فعل عالما بطلت صلاته ، وإن كان ساهيا لم تبطل ، ويسجد للسهو .
[3/584] ولو سبق جماعة ببعض الصلاة ، ثم قاموا بعد سلام الإمام ، فهل لهم أن يقلوا جماعة يؤمهم أحدهم ؟ فيه قولان :
أحدهما : نعم ، وهو قول عطاء وابن سابط .
والثاني : لا ، وهو قول الحسن .
وعن أحمد فيه روايتان ، وللشافعية وجهان .
ومأخذهما : هل يجوز الانتقال من الائتمام إلى نية الإمام ؟
وأما مأخذ الحسن ، فالظاهر أنه كراهة إعادة الجماعة في مسجد مرتين .
قال القاضي من أصحابنا والشافعية : ولو كان ذلك في الجمعة لم يجز ؛ لأن الجمعة لا تقام في مسجد واحد مرتين في يوم .
وقال أبو [علي] الحسن بن البناء : في هذا نظر ؛ لأن الجمعة تقام عندنا في مواضع للحاجة ، وإن سبق بعضها بعضا .